العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٠٩ - عطاء بن أبى رباح، و اسمه أسلم، القرشى الجمحى، و قيل الفهرى، مولاهم، أبو محمد المكى
و قال معاذ بن سعيد: كنا عند عطاء، فتحدث رجل بحديث، فاعترض له آخر فى حديثه، فقال عطاء: سبحان اللّه، ما هذه الأخلاق، ما هذه الأخلاق، إنى لأسمع الحديث من الرجل، و أنا أعلم به منه، فأريه أنى لا أحسن منه شيئا.
و قال ابن جريج عن عطاء: إن الرجل ليحدثنى بالحديث فأنصت له، كأنى لم أسمعه قط، و قد سمعته قبل أن يولد.
و قال يعلى بن عبيد: دخلنا على محمد بن سوقة، فقال: أحدثكم بحديث لعله ينفعكم؟ فإنه قد نفعنى، ثم قال: قال عطاء بن أبى رباح: يابن أخى، إن من كان قبلكم، كانوا يكرهون فضول الكلام، و كانوا يعدون فضوله، ما عدا كتاب اللّه عز و جل، أن تقرأه أو تأمر بمعروف، أو تنهى عن منكر، أو تنطق بحاجتك فى معيشتك التى لابد لك منها، أتنكرون؟. وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ [الانفطار: ١٠، ١١] عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:
١٧، ١٨] أما يستحيى أحدكم لو نشرت عليه صحيفته، التى أملى صدر نهاره، و كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه و لا دنياه؟.
و قال الأوزاعى: مات عطاء و هو أرضى أهل الأرض. و قال ابن جريج: رأيت عطاء يطوف بالبيت، فقال لقائده: امسك، احفظوا عنى خمسا: القدر خيره و شره، حلوه مره، من اللّه تعالى، ليس للعبد فيه مشيئة و لا تفويض، و أهل قبلتنا مؤمنون، حرام دماؤهم و أموالهم إلا بحقها، و قتال الفئة الباغية بالأيدى و السلاح، و الشهادة على الخوارج بالضّلالة.
و قال عطاء: النظر إلى العابد عبادة. و قال: إن استطعت أن تخلو بنفسك عشيّة عرفة فافعل.
و قال أبو حنيفة: لقيت عطاء بمكة، فسألته عن شىء، فقال: من أين أنت؟. قلت:
من أهل الكوفة، قال: من أهل القرية الذين فارقوا دينهم و كانوا شيعا؟. قلت: نعم.
قال: من أى الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف، و يؤمن بالقدر، و لا يكفر أحدا بذنب. فقال لى عطاء: عرفت فالزم.
و قال عثمان بن الأسود: قلت لعطاء: الرجل يمرّ بالقوم، فيقذفه بعضهم، أنخبره؟
قال: لا، المجالس بالأمانة.
و قال عطاء الخراسانى: انطلقت مع أبى و هو يريد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا،