دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٧٢ - باب ما جاء في إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمن يكون أسرع لحوقا به زوجاته
(١)
[ ()] لحوق سودة به من أعلام النبوة. و كل ذلك و هم، و انما هي زينب، فإنها كانت أطولهن يدا بالعطاء كما رواه مسلم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ «فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل و تتصدق، انتهى. و تلقى مغلطاي كلام ابن الجوزي فجزم به و لم ينسبه له. و قد جمع بعضهم بين الروايتين فقال الطيبي: يمكن ان يقال فيما رواه البخاري المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب، و كانت سودة أولهن موتا. قلت: و قد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حماد عند ابن حبان أن نساء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة، ثم هو مع ذلك إنما يتأتى على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاري في تاريخه باسناد صحيح الى سعيد بن هلال أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر، و جزم الذهبي في «التاريخ الكبير» بأنها ماتت في آخر خلافة عمر، و قال ابن سيد الناس: انه المشهور. و هذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين حيث قال: أجمع أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواجه.
و سبقه الى نقل الاتفاق ابن بطال كما تقدم. و يمكن الجواب بأن النقل مقيد بأهل السير، فلا يرد نقل قول من خالفهم من أهل النقل ممن لا يدخل في زمرة اهل السير. و أما على قول الواقدي الذي تقدم فلا يصح. و قد تقدم عن ابن بطال أن الضمير في قوله «فكانت» لزينب و ذكرت ما يعكر عليه، لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة لكون غيرها لم يتقدم له ذكر، فلما لم يطلع على قصة زينب و كونها أول الأزواج لحوقا به جعل الضمائر كلها لسودة، و هذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عيينة عن فراس كما قرأت بخط ابن رشيد أنه قرأه بخط أبي القاسم ابن الورد، و لم أقف الى الآن على رواية ابن عيينة هذه، لكن روى يونس بن بكير في «زيادات المغازي» و البيهقي في «الدلائل» بإسناده عنه عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقا و لا عائشة، و لفظه «قلن النسوة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: أطولكن يدا، فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يدا، فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير و الصدقة» و يؤيده أيضا ما روى الحاكم في المناقب من مستدركه
من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأزواجه:
أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا.
قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نمد أيدينا في الجدار فتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش- و كانت امرأة قصيرة و لم تكن أطولنا- فعرفنا حينئذ أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنما أراد بطول اليد الصدقة، و كانت زينب امرأة صناعة باليد، و كانت تدبغ و تخرز و تصدق في سبيل اللّه، قال الحاكم على شرط مسلم انتهى. و هي رواية مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب، قال ابن رشيد: و الدليل على ان عائشة لا تعني سودة قولها «فعلمنا بعد» إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقي و لم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة الى المجاز إلا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لم يجد إلا الإضمار مع أنه يصلح أن يكون المعنى فعلمنا بعد ان المخبر عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع و يبحث فلا يجد إلا زينب، فيتعين الحمل عليه، و هو من باب إضمار ما لا يصلح غيره