دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٧٣ - باب ما جاء في إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمن يكون أسرع لحوقا به زوجاته
(١)
[ ()] كقوله تعالى حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ قال الزين بن المنير: وجه الجمع أن قولها «فعلمنا بعد» يشعر اشعارا قويا انهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه و أنه كناية عن كثرة الصدقة، و الذي علمنه آخرا خلاف ما اعتقدنه أولا، و قد انحصر الثاني في زينب للاتفاق على أنها أولهن موتا فتعين أن تكون هي المرادة- و كذلك بقية الضمائر بعد قوله «فكانت» و استغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك انتهى. و قال الكرماني: يحتمل أن يقال ان في الحديث اختصارا أو اكتفاء بشهرة القصة لزينب، و يؤول الكلام بأن الضمير رجع إلى المرأة التي علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنها أول من يلحق به، و كانت كثيرة الصدقة، قلت: الأول هو المعتمد، و كأن هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة من سياق الحديث لما أخرجه في الصحيح لعلمه بالوهم فيه، و إنه لما ساقه في التاريخ بإثبات ذكرها ذكر ما يرد عليه من طريق الشعبي أيضا عن عبد الرحمن بن أبزي قال «صليت مع عمر على أم المؤمنين زينب بنت جحش، و كانت أول نساء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لحوقا به» و قد تقدم الكلام على تاريخ وفاتها في كتاب الجنائز، و أنه سنة عشرين. و روى ابن سعد من طريق برزة بنت رافع قالت «لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجبت و سترته بثوب و أمرت بتفرقته، الى أن كشف الثوب فوجدت تحته خمسة و ثمانين درهما ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت فكانت أول ازواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لحوقا به» و روى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال: كانت زينب أول نساء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لحوقا به. فهذه روايات يعضد بعضها بعضا و يحصل من مجموعها أن في رواية أبي عوانة و هما. و قد ساقه يحيى بن حماد عنه مختصرا و لفظه «فأخذن قصبة يتذارعنها، فماتت سودة بنت زمعة و كانت كثيرة الصدقة فعلمنا أنه قال أطولكن يدا بالصدقة» هذا لفظه عند ابن حبان من طريق الحسن بن مدرك عنه و لفظه عند النسائي عن أبي داود و هو الحراني عنه، «فأخذن قصبة فجعلن يذرعنها فكانت سودة أسرعهن به لحوقا، و كانت أطولهن يدا، و كأن ذلك من كثرة الصدقة». و هذا السياق لا يحتمل التأويل، إلا أنه محمول على ما تقدم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصة و اللّه أعلم. و في الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر، و فيه جواز اطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة و المجاز بغير قرينة و هو لفظ «أطولكن» إذا لم يكن محذور، قال الزين بن النمير: لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي أجابهن بلفظ غير صريح و أحالهن على ما لا يتبين إلا بآخر، و ساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. و فيه أن من حمل الكلام على ظاهره و حقيقته لم يلم و إن كان مراد المتكلم مجازه، لأن نسوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حملن طول اليد على الحقيقة فلم ينكر عليهن. و أما ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم عن ميمونة ان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لهن: ليس ذلك أعني إنما أعني أصنعكن يدا، فهو ضعيف جدا، و لو كان ثابتا لم يحتجن بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى ذرع أيديهن كما تقدم في رواية عمرة عن عائشة. و قال المهلب: في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة، و إنما المراد بالطول كثرة الصدقة، و ما قاله لا يمكن اطراده في جميع الأحوال. و اللّه أعلم.