دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٩٩ - باب ما جاء في إخباره عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه و غيره بأنهم يدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها و ما ظهر من صدقه فيما قال و ما جاء في إخباره عما لأطفال عقبة بن أبي معيط و ظهور آثار صدقه فيما أخبر
(١)
[ ()] قال ابن عبد البر لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن انها نزلت فيه و ذلك ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعثه مصدقا الى بني المصطلق فعاد فأخبر عنهم انهم ارتدوا و منعوا الصدقة و كانوا خرجوا يتلقونه و عليهم السلاح فظن انهم خرجوا يقاتلونه فرجع فبعث إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خالد بن الوليد فأخبره بأنهم على الإسلام فنزلت هذه الآية.
قلت: هذه القصة أخرجها عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة قال و بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الوليد بن عقبة الى بني المصطلق فتلقوه فعرفهم فرجع فقال ارتدوا فبعث رسول اللّه إليهم خالد بن الوليد فلما دنا منهم بعث عيونا ليلا فإذا هم ينادون بالصلاة و يصلون فأتاهم خالد فلم ير منهم الا طاعة و خيرا فرجع الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبره فنزلت هذه الآية و أخرجه عبد بن حميد عن يونس بن محمد عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة نحوه و من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة نحوه و من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد كذلك و أخرجها الطبراني موصولة عن الحرث بن أبي ضرار المصطلقي مطولة و في المسند من لا يعرف.
و يعارض ذلك ما أخرجه أبو داود في السنن من طريق ثابت بن الحجاج عن أبي موسى عبد اللّه الهمداني عن الوليد بن عقبة قال لما افتتح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم فأتي بي إليه و انا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق قال ابن عبد البر أبو موسى مجهول و من يكون صبيا يوم الفتح لا يبعثه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مصدقا بعد الفتح بقليل و قد ذكر الزبير و غيره. من أهل العلم بالسيران أم كلثوم بنت عقبة لما خرجت الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مهاجرة في الهدنة سنة سبع خرج أخواها الوليد و عمارة ليرداها قال فمن يكون صبيا يوم الفتح كيف يكون ممن خرج ليرد أخته قبل الفتح.
(قلت) و ما يؤيد أن أنه كان في الفتح رجلا انه كان قدم في فداء ابن عمر أبيه الحرث بن أبي وجزة ابن أبي عمرو بن أمية و كان أسر يوم بدر فافتداه باربعة آلاف حكاه اصحاب المغازي و نشأ الوليد بعد ذلك في كنف عثمان الى أن استخلف فولاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص و استعظم الناس ذلك و كان الوليد شجاعا شاعرا جوادا قال مصعب الزبيري و كان من رجال قريش و سراتهم و قصة صلاته بالناس الصبح أربعا و هو سكران مشهورة مخرجة و قصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة ايضا مخرجة في الصحيحين و عزله عثمان بعد جلده عن الكوفة و ولاها سعيد بن العاص.
و يقال ان بعض اهل الكوفة تعصبوا عليه فشهدوا عليه بغير الحق حكاه الطبري و استنكره ابن عبد البر و لما قتل عثمان اعتزل الوليد الفتنة فلم يشهد مع علي و لا مع غيره و لكنه كان يحرض معاوية على قتال علي بكتبه و بشعره و من ذلك ما كتب به الى معاوية لما أرسل اليه على جرير يأمره بأن يدخل في الطاعة و يأخذ البيعة على أهل الشام فبلغ ذلك الوليد فكتب اليه من أبيات:
أتاك كتاب من علي بخطه* هي الفصل فاختر سلمه او تحاربه فان كنت تنوي ان تجيب كتابه* فقبح ممليه و قبح كاتبه