دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٩ - باب انقياد الشجر لنبيّنا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما جمع الخبر المنقول فيه من ذكر خروج الماء من بين أصابعه و غير ذلك من علامات
(١) قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته و حسرته [١٢] فانذلق [١٣] لي فأتيت الشجرتين، فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرّهما حتى إذا قمت مقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرسلت غصنا عن يميني، و غصنا عن يساري، ثم لحقته فقلت: قد فعلت يا رسول اللّه! فعمّ ذاك؟ قال: «إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفّه [١٤] عنهما ما دام الغصنان رطبين».
قال: فأتينا العسكر فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا جابر! ناد بوضوء، فقلت: ألا وضوء ألا وضوء، قال قلت: يا رسول اللّه ما وجدت في الركب من قطرة، قال: و كان رجل من الأنصار يبرّد لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الماء في أشجاب [١٥] له على حمارة [١٦] من جريد، فقال لي: انطلق إلى فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيء؟ قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة [١٧] في عزلاء [١٨] شجب منها، لو أني أفرغه لشربه يابسه [١٩] فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقلت: يا رسول اللّه! لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أني أفرغه لشربه يابسه، قال: «اذهب فأتني به»، فأتيته به، فأخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو و يغمزه بيديه [٢٠]، ثم أعطانيه فقال: «يا جابر! ناد
[١٢] (حسرته) أحددته و نحيت عنه ما يمنع حدته بحيث صار كالسكين.
[١٣] (فانذلق) اي صار حادا.
[١٤] (يرفّه): «يخفف».
[١٥] (في أشجاب له) الأشجاب جمع شجب. و هو السقاء الذي قد أخلق و بلى و صار شنا، يقال شاجب اي يابس. و هو من الشجب الذي هو الهلاك.
[١٦] (حمارة) هي أعواد تعلق عليها اسقية الماء.
[١٧] (إلا قطرة) اي يسبرا.
[١٨] (عزلاء) هي فم القربة.
[١٩] (لشربه يابسه) معناه أنه قليل جدا. فلقلته، مع شدة يبس باقي الشجب، و هو السقاء، لو أفرغته لاشتفه اليابس منه و لم ينزل منه شيء.
[٢٠] (و يغمزه بيديه) اي يعصره.