دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ١٣٨ - إثبات الدليل لجواز الإسناد
الحجية يجوز أن نسندها إلى الشارع، ولكن هل يمكن أن نسند الحكم الواقعي المجهول لنا والموجود في اللوح المحفوظ والذي أردنا أن نكشفه عن طريق الدليل الظني إلى الشارع والمقصود هو الحكم الواقعي المظنون الذي تحكي عنه الأمارة وتدل عليه الأمارة دلالة ظنية لأن الأمارة كاشفة عن الواقع؟
الجواب:
يوجد هنا جوابان:
الجواب الأول:
قد يقال إن هذا الحكم الواقعي [١] المظنون الذي تحكي عنه الأمارة ( [٢] مجهول غير مقطوع به فكيف نسند شيئا غير معلوم إلى الشارع؟
[١] المفروض أننا هنا نحن لا نتكلم عن الحكم الواقعي لأن الأمارة تعطينا مؤدى الأمارة وهو حكم ظاهري، فكيف يكون السؤال عن جواز إسناد الحكم الواقعي إلى الشارع عند الحديث عن الأمارة؟
نعم لو كان الحديث عن القطع لسألنا عن الحكم الواقعي لأن القطع يكشف عن الحكم الواقعي كشفا تاما، والحكم الواقعي الموجود في اللوح المحفوظ يجوز حتما إسناده إلى الشارع سواء كان البحث في القطع أم في الأمارة وإن كان الحكم الواقعي مجهولا لنا ولم ينكشف لنا الغطاء كما كان مكشوفا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ٧
[٢] يقول السيد الشهيد (قدس سره):" وأما الحكم الواقعي الذي تحكي عنه الأمارة فقد يقال إن إسناده غير جائز..."، إن مؤدّى الأمارة هو حكم ظاهري لا حكم واقعي وإن كانت الأمارة حاكية وكاشفة عن الحكم الواقعي، فالسؤال عن إسناد الحكم الواقعي الذي تحكي عنه الأمارة يمكن أن يؤخذ على احتمالين:
١- نفس الحكم الواقعي الموجود في اللوح المحفوظ، وهذا بلا شك ينسب إلى الشارع سواء علمنا به أم لم نعلم به، فإذا كان عندنا دليل قطعي علمنا به، وإذا كان عندنا أمارة أو أصل عملي لم نعلم به.
٢- الحكم الظاهري الناتج من الأمارة، والسؤال بجواز الإسناد لا بد أن يكون متعلّقا بالحكم الظاهري لا بالحكم الواقعي لأن الحكم الواقعي مجهول لنا، فالسؤال لا بد أن يكون كما يلي:
هل يجوز إسناد الحكم الظاهري الناتج من الأمارة إلى الشارع أو لا يجوز؟
ولا بدّ أن ينصب النقاش على إجابة هذا السؤال لا على إسناد الحكم الواقعي إلى الشارع لأن الحكم الواقعي بلا شك تجوز نسبته إلى الشارع حتى لو كان غير معلوم لنا.
والسيد الشهيد في قوله:" فقد يقال"؛ كان ردّه بلحاظ الحكم الواقعي في اللوح المحفوظ أنه غير معلوم، وفي قوله:" وقد يقال"؛ كان ردّه بلحاظ الحكم الظاهري دون النظر إلى الحكم الواقعي، فهنا نقول إن الحكم الظاهري الناتج من الدليل الظني هل تجوز نسبتها إلى الشارع أو لا؟
المسألة الشرعية تقول إن ما تقطع أنه حكم لله يجوز إسناده إلى الشارع، فإذا قلنا إن الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي فتكون المسألة أن ما تظن ظنا معتبرا أنه حكم لله يجوز أن تسنده إلى الشارع، ونرى هنا أن اللحاظين في الردين مختلفان، فاللحاظ في الرد الأول كان إلى الحكم الواقعي في اللوح المحفوظ، واللحاظ في الرد الثاني كان إلى الحكم الظاهري الناتج من الأمارة، والرد الثاني هو المطلوب في المقام.