دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٢٩٤ - العلامة الأولى التّبادر عند أهل اللغة
علامات الحقيقة والمجاز
أنه يعلم بهذه العلاقة [١]، وهذا الاقتران نشأ من كثرة استعمال الكلمة
[١] إشكال: ولكن الطفل الرضيع هنا يعلم بالوضع أي يعلم بهذا الاقتران الأكيد بين اللفظ والمعنى لأن هذا الاقتران موجود في ذهنه، لذلك فهو ينتقل من اللفظ إلى المعنى، ولو أن طفلا آخر لم يعلم بهذا الاقتران فإن ذهنه لا ينتقل إلى المعنى مع أنه يوجد وضع، فلأنه يعلم بهذا الاقتران تبادر المعنى إلى ذهنه، لذلك لا بد من العلم بالوضع لكي ينتقل الذهن إلى المعنى، وانتقال الذهن لا يحصل من الوضع فقط بل من العلم بالوضع.
بعبارة أخرى: إن الطفل الرضيع عندما يسمع كلمة" ماما" ينتقل ذهنه إلى صورة هذه المرأة، والطفل لو لم يعلم بالاقتران الأكيد بين التصورين لما انتقل إلى صورة الأم، فالقرن الأكيد بنفسه لا ينقل ذهن الطفل إلى صورة الأم بل لا بد أن يعرف الطفل بهذا الاقتران حتى ينتقل ذهنه إلى صورة الأم، وقول السيد الشهيد:" فالطفل الرضيع الذي اقترنت عنده كلمة" ماما" برؤية أمه"، نفهم منه العلم بهذا الاقتران، نفهم ذلك من قوله:" اقترنت عنده"، فالاقتران بنفسه لا يكفي بل لا بد أن يكون هذا الاقتران عنده أي يعلم به حتى ينتقل من تصور اللفظ إلى تصور المعنى، فيرد الإشكال على التبادر مرة أخرى.
والدليل على أن الوضع بنفسه لا يؤدي إلى التبادر هو أن الإنسان الياباني لا يحصل له التبادر حسب اللغة العربية مع أن الوضع- أي اقتران الألفاظ بالمعاني- موجود، ولكن مع هذا لا يتبادر المعنى إلى ذهنه عند سماع اللفظ، وهذا يدل على أن الوضع لا يكفي بل لا بد من العلم بالوضع أي العلم بالاقتران بين اللفظ والمعنى حتى يتبادر المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ.
وقد يقال بعدم الحاجة للعلم بالوضع بل يكفي الوضع أي القرن الأكيد حتى ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى.
والجواب على ذلك أننا أخذنا في بحث الدلالة في المنطق أنه في مثل طرقة الباب أن السامع ينتقل ذهنه من طرقة الباب إلى وجود الطارق، والسامع لا بد أن يعلم بوجود العلاقة بين طرقة الباب ووجود الطارق، ولولا علمه لما انتقل من شيء إلى شيء آخر، وقالوا في تعريف الدلالة أنه إذا علمت بشيء انتقل ذهنك إلى شيء آخر، فبدون العلم لا ينتقل الذهن من شيء إلى شيء آخر، وبدون العلم بالوضع لا ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى.
إذن: التبادر لايتوقف على الوضع فقط بل على العلم بالوضع، فيرد الإشكال على التبادر مرة أخرى بأن العلم بالوضع سبب للتبادر، والتبادر سبب للعلم بالوضع، ونرجع مرة أخرى إلى الردود السابقة.