دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٢٧٩ - الحقيقة والمجاز
طول المعنى الحقيقي وفي رتبة متأخّرة عن المعنى الحقيقي.
وقال البعض لتصوير الوضع الجديد أن الواضع يضع اللفظ للمعنى الحقيقي بدون قرينة، ويضعه للمعنى المجازي مع القرينة، وبهذه الطريقة يحتفظ المعنى المجازي بطوليّته للوضع الأول.
وبذلك نستطيع تفسير أسبقيّة المعنى الحقيقي إلى الذهن عند سماع اللفظ المجرد عن القرينة، فاللفظ بدون قرينة موضوع للمعنى الحقيقي، واللفظ مع القرينة موضوع للمعنى المجازي، وإذا لم توجد القرينة فإن علاقة اللفظ بالمعنى تنحصر بالمعنى الحقيقي ولا يزاحمه المعنى المجازي لأن المعنى المجازي يأتي في طول المعنى الحقيقي لا في عَرْضِهِ، نعم لو كان في عَرْضِهِ لكان مزاحما للمعنى الحقيقي [١].
٢٨٠
[١] الرد على القول الأول: هذا الكلام تطويل بلا طائل لأن نتيجة" الوضع" هي أننا لا نستطيع أن نستعمل هذا اللفظ في معان أخرى غير الموضوع له، لذلك تكون النتيجة أننا لا نستطيع أن نخرج خارج المجازات التي نفترض أن العرب وضعوا لها مع القرينة، فإذا استعمل العرب هذه الألفاظ في معاني مجازيّة معيَّنة فإننا لا نستطيع أن نتعدّى هذه المجازات، وأما بدون وضع للمعنى المجازي فنحن أحرار في استعمال أي كلمة في أي معنى مجازي له علاقة ما بالمعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ، وما أكثر المجازات التي نستعملها، فإذا كان المجاز يحتاج إلى وضع فإن هناك الكثير من المجازات، ومعنى ذلك أن كل هذه المجازات بحاجة إلى وضع، وأنت تستعمل الآن المجاز بدون وضع لأنه لم يضع أحد لهذه المعاني المجازية التي تستعملها الآن ولم يستعملها أحد قبلك ولا يوجد واضع أول قبلك، فتستعمل الكلمة في معنى مجازي غير الذي استعمله العرب سابقا، فلا نحتاج إلى وضع في المعنى المجازي وإلا لكان كل استعمال مجازي بحاجة إلى وضع، وهذا غير ممكن لأنه بمجرد ما تقول وضع فإن معنى ذلك أنه لا تستطيع أن تستعمل الكلمة في معنى آخر غير موضوع له، مثلا هذا الموضوع للمعنى الحقيقي لا يمكن أن تغيِّره إلى معنى حقيقي آخر لأن الناس لن يستعملوا هذا الوضع الجديد الذي اخترعته، وبمجرد ما تنطق بهذه الكلمة فإن أذهان الناس تنصرف إلى المعنى الحقيقي لأن الوضع يكون للمعنى الحقيقي فقط، فإذا قلت:" أضع هذا اللفظ لهذا المعنى"؛ فإن هذا المعنى يكون معنى حقيقيا، وهذا المصطلح لا يمكن تغييره ليشمل المعنى المجازي أيضا، فالمصطلحات الموجودة في العلوم نستعملها كما هي، فمصطلح" الوضع" معناه أنه للمعنى الحقيقي، والمعنى الجديد الذي تضعه لهذا المصطلح لا أحد يأخذ به لأنه خاص بك وحدك، وإذا كنت تريد أن تغيِّر هذا الوضع فأمامك طريقان: إما بتعيين معيِّن وإما من كثرة الاستعمال، ولا يوجد طريق ثالث، نعم بتعيين معيِّن إذا استطعت أن تقرن هذا اللفظ بمعنى جديد فإنه يتكوَّن وضع جديد، ولكن الآن الاقتران ليس بهذه السهولة لأن الكلمات الموجودة لها معاني معيَّنة فلا تستطيع أن تغيِّر معاني هذه الكلمات، نعم عبر الزمان قد تغيَّر بعض الألفاظ إلى معاني جديدة، ولكن لا يكون بشكل لحظي بل يكون بشكل تدريجي، ونسأل هنا: هل اللغة حدّدت المجازات كما في كتاب" أساس البلاغة" للزمخشري حيث يذكر الاستعمالات المجازية عند العرب، أو أنها لم تحدّد المجازات بل يمكن للمتكلم أن يستعمل اللفظ في أي معنى مجازي توجد علاقة بينه وبين المعنى الحقيقي؟
قد يقال إن اللغة حدّدت المجازات، وتكون النتيجة عدم جواز استعمال الألفاظ في معاني مجازية أخرى لم تحدّدها اللغة ولم يستعملها العرب من قبل.
وقد يقال إن اللغة لم تحدّد المجازات، وإنما توجد حرّيّة عند المتكلم في استعمال الألفاظ في أي معنى مجازي يوجد بينه وبين المعنى الحقيقي علاقة من العلاقات.
والقول الثاني هو الصحيح وهو عدم تحديد اللغة للمجازات.