دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٤١١ - منشأ الفرق بين الجملة التامة والجملة الناقصة
" قَبِلْتُ"، فإن عملية البيع تتمّ.
إذن: في الجملة الخبرية تخبر عن أمر واقع، وأما في الجملة الإنشائية فإنك تريد أن تنشئ واقعا وأن تنشئ بيعا، فتكون الجملة الخبرية بعد وقوع عملية البيع، وتكون الجملة الإنشائية قبل وقوع عملية البيع [١]، وفي الجملة الخبرية المتكلم حينما يريد أن يتحدّث يتصوّر هذا
[١] سؤال: الجملة الخبرية موضوعة لنسبة مفروغ عنها، وعندما نقول:" ينزل المطر غدا"، هذه جملة خبرية، وهي حتما ليست جملة إنشائية لأن المتكلم لا يريد أن ينشئ نزول المطر في الغد لأن نزول المطر ليس بيد المتكلم، والإنشاء يكون لشيء تحت سلطة ويد المتكلم، وهذه الجملة لا تدل على وجود حقيقة واقعة وشيء مفروغ عنه لأن النسبة لم تقع حتى الآن، بل تدل على نسبة سوف تقع في المستقبل، فكيف نوفّق بين ما قاله السيد الشهيد (قدس سره) في تعريف الجملة الخبرية وبين الجملة الخبرية في هذا المثال؟
الجواب: السيد الشهيد (قدس سره) يتكلم عن بيع الكتاب بالأمس والذي هو حقيقة واقعة، ولا يقصد السيد الشهيد أن الجملة الخبرية تكون دائما واقعة في الخارج لأن الجملة الخبرية قد تطابق الواقع وقد لا تطابق، فإذا قال الكاذب:" نزل المطر"، فإن المطر في الواقع ليس نازلا، إن معنى الجملة الخبرية أنك تخبر عن شيء وليس للمتكلم دور في إنشاء هذا الشيء، وأما في الجملة الإنشائية فإن للمتكلم دورا في إنشائه، فعندما يقول:" صَلِّ"؛ فهو يطلب من المخاطَب إنشاء الصلاة لا أنه يخبر عن الصلاة، وحينما يقول:" زيد يُصَلِّي"؛ فهو ناقل لمضمون الخبر وليس منشئا له، وهذا هو الفرق بين الخبر والإنشاء، ففي الخبر يوجد دائما مرجع للخبر وهو الواقع، ثم نأتي وننظر إلى الواقع، فإذا كان مضمون الخبر قد وقع فعلا في الخارج فهنا نقول إن هذا الخبر مطابق للواقع لأن مضمونه موجود في الواقع، وإذا كان مضمون الخبر لم يقع فعلا في الخارج فهنا نقول إن هذا الخبر غير مطابق للواقع، وعلى أي حال فإن الواقع موجود دائما في الجملة الخبرية، فإما أن يطابق الخبرُ الواقعَ فيكون الخبر صادقا، وإما أن لا يطابق الواقعَ فيكون الخبر كاذبا، إن مثل:" ينزل المطر غدا"؛ إذا وقع مضمونه في الخارج في الغد فيكون مطابقا للواقع، وإذا لم يقع في الغد فهو غير مطابق للواقع، فالمتكلم ليس له دور في إنشاء الواقع بل هو يخبر عن الواقع الموجود أو الذي سيقع في المستقبل، إن الخبر يكون صادقا إذا كان مطابقا للواقع، ويكون كاذبا إذا كان غير مطابق للواقع، ففي الحالتين لا بد من وجود واقع نرجع إليه حتى نعرف صدق الخبر من كذبه، ومراد السيد الشهيد هو أنه يوجد واقع والمتكلم يخبر عن هذا الواقع، فإذا طابق الخبرُ الواقعَ قلنا إن الخبر صادق، وإذا لم يطابقه كان الخبر كاذبا، والدليل على مراد السيد الشهيد هو قوله:" والجملة الإنشائية موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها"، وبمقابلة الجملة الخبرية للجملة الإنشائية نصل إلى أن الجملة الخبرية موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هي نسبة لا يراد تحقيقها بل هي محقَّقَة، أي حقيقة واقعة وشيء مفروغ عنه ولا يملك المتكلم من أمرها شيئا كما قال السيد الشهيد، ويفهم من كلام السيد الشهيد أن المتكلم يتصور النسبة بما هي حقيقة واقعة أنه يريد النظر إلى الخبر المطابق للواقع أي الخبر الصادق، ولا يريد السيد الشهيد أن يناقش الخبر الكاذب أو الخبر الذي يقع في المستقبل، والدليل هو أن الشهيد طرح مثال" بِعْتُ الكتابَ"، وكان استنتاجه وتطبيقه على هذا المثال فقط، ولا يشمل كلامه مثل" ينزل المطر غدا"؛ لأن هذا الخبر نقول عنه إنه صادق إذا جاء الغد ونزل المطر فعلا، وإذا جاء الغد ولم ينزل المطر فإن الخبر يكون كاذبا، وفي الحالتين لا بد من مجيء الغد ورؤية الواقع لنعرف أن الخبر صادق أو كاذب.