دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٢٢ - الحالة الثانية القطع بالتكليف الواقعي
باب الاستثناء المتصل، كما نقول جاء القوم إلا حصانا لا من باب جاء القوم إلا محمدا، فهنا القضية سالبة بانتفاء الموضوع لا بانتفاء المحمول، فلا يبقى لأصالة الاشتغال موضوع لأن الموضوع هو احتمال التكليف وهنا لا يوجد احتمال التكليف حيث إنه يوجد قطع بعدم التكليف، فلا يوجد تنجيز من البداية، ولا نقول هنا إنه كان يوجد المحمول- وهو التنجيز- ثم أتى القطع بعدم التكليف ورفع التنجيز، فالبراءة كانت موجودة من البداية لا أن التنجيز العقلي كان موجودا ثم أتت البراءة الشرعية، إذن يرفع الفقيه يده عن الاشتغال العقلي عند القطع بعدم التكليف.
الحالة الثانية: القطع بالتكليف الواقعي:
إذا حصل الفقيه على دليل شرعي محرز قطعي يدل على ثبوت التكليف أي قطع بوجود التكليف، والعقل في حالة احتمال التكليف يقول بالاحتياط، فهذا الاحتمال ينقلب إلى قطع، هنا يتأكّد الاحتياط ويصير أقوى ويشتدّ، والتنجّز يظل على حاله ولكنه يصير أقوى وأشدّ لأن الشرع أكّد حكم العقل، فالشرع أيّد العقل، فما يقول به العقل يأتي الشرع ويؤيّده، إذا حصل الإنسان من الشرع على ما يقول به العقل فإنه سيشعر بالراحة أكثر لأنه حصل على تأييد من الشارع، فلو خطرت في ذهنك فكرة معيَّنة فإنك تشعر بالراحة إذا وجدت رواية تؤيّد ما وصل إليه فكرك، إذن هنا يصير التنجّز أقوى وأشدّ [١]، وهنا يمكن أن نقول إن
[١] سؤال: كيف يكون التنجّز أشدّ مع أن الواجبات كلّها مطلوبة ولا يمكن تركها؟
الجواب: الواجبات متفاوتة في الدرجة وفي المطلوبية، فبعض الواجبات تكون مطلوبة عند المولى عز وجل أكثر من غيرها من الواجبات لأن المصلحة المترتبة عليها أكثر، فمثلا إذا كان الدليل على الحكم دليلا عقليا ودليلا شرعيا فهذا يدل على مطلوبيته بدرجة أعلى، فقد تأتي أدلة كثيرة تدل على أن هذا الواجب المعيَّن لا يترك بأي حال من الأحوال فهذا يدل على مطلوبيته الشديدة من الشارع، فالواجبات والمحرمات وكذلك المستحبات والمكروهات متفاوتة في الدرجة حسب المصالح أو المفاسد التي يراها الشارع، فإذا أتت ٥٠ رواية تدل على وجوب شيء وأتت رواية واحدة تدل على وجوب شيء آخر فإن كثرة الروايات تدل على المطلوبية الشديدة للشيء عند الشارع، فكلاهما واجب ولكن ملاك الأول أشد من ملاك الثاني، إذن توجد درجات مختلفة في الأحكام الشرعية، وكذلك المحرمات متفاوتة، مثلا شرب الخمر أشد في الحرمة من حلق اللحية مع أن كليهما محرّم.