البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٦ - مقتل سعيد بن جبير (رحمه اللَّه)
تمّت مروءتكم و* * * ناغى عزكم غلب الجبال
و لقد تبين عدل حكمك* * * فيهم في كل مال
هكذا ذكر ابن جرير هذا من شعر سحبان وائل في هذه الغزوة، و قد ذكرنا ما أورده ابن الجوزي في منظمه أن سحبان وائل مات في خلافة معاوية بن أبى سفيان بعد الخمسين فاللَّه أعلم.
مقتل سعيد بن جبير (رحمه اللَّه)
قال ابن جرير: و في هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، و كان سبب ذلك أن الحجاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رتبيل ملك الترك، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث و أصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه، فلما سمع بذلك سعيد هرب منها، ثم كان يعتمر في كل سنة و يحج، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد اللَّه القسري، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها فقال سعيد: و اللَّه لقد استحييت من اللَّه مما أفر و لا مفر من قدره؟ و تولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود، فتعلم منه خالد بن الوليد القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير و عطاء بن أبى رباح، و مجاهد بن جبر، و عمرو بن دينار، و طلق ابن حبيب. و يقال إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواما من أهل الشقاق، فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء و عمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة، و بعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل، و أما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج، و أما سعيد ابن جبير فلما أوقف بين يدي الحجاج قال له: يا سعيد أ لم أشركك في أمانتى! أ لم أستعملك؟ أ لم أفعل أ لم أفعل؟ كل ذلك يقول: نعم، حتى ظن من عنده أنه سيخلى سبيله، حتى قال له: فما حملك على الخروج عليّ و خلعت بيعة أمير المؤمنين؟ فقال سعيد: إن ابن الأشعث أخذ منى البيعة على ذلك و عزم على، فغضب عند ذلك الحجاج غضبا شديدا و انتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه، و قال له:
ويحك أ لم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير و أخذت بيعة أهلها و أخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟
قال: بلى، قال: ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية؟ قال: بلى! قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين و تفي بواحدة للحائك ابن الحائك؟ يا حرسى اضرب عنقه. قال: فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لاطئة صغيرة بيضاء، و قد ذكر الواقدي نحو هذا، و قال له: أما أعطيتك مائة ألف؟ أما فعلت أما فعلت.
قال ابن جرير: فحدثت عن أبى غسان مالك بن إسماعيل قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر