البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٨ - عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
فأضحى الّذي قد كان مما يسرني* * * كحلم مضى في المزمنات الفوابر
فيا ليتني لم أعن بالملك ليلة* * * و لم أسع في لذات عيش نواضر
و قد أنشد هذه الأبيات معاوية بن أبى سفيان عند موته.
و قال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال أجدنى كما قال اللَّه تعالى وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ الآية. و قال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع قصارا بالوادي فقال: ما هذا؟ قالوا قصار، فقال: يا ليتني كنت قصارا أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله قال: الحمد للَّه الّذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا و لا نفر إليهم. و قال:
لما حضره الموت جعل يندم و يندب و يضرب بيده على رأسه و يقول: وددت أنى اكتسبت قوتي يوما بيوم و اشتغلت بعبادة ربى عز و جل و طاعته. و قال غيره: لمّا حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم ثم قال: الحمد للَّه الّذي لا يسأل أحدا من خلقه صغيرا أو كبيرا ثم ينشد:-
فهل من خالد إما هلكنا* * * و هل بالموت للباقين عار
و يروى أنه قال: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء و قال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، و إن كثيرك لحقير، و إنا كنا بك لفي غرور، ثم تمثل بهذين البيتين:
إن تناقش يكن نقاشك يا رب* * * عذابا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت رب صفوح* * * عن مسيء ذنوبه كالتراب
قالوا: و كانت وفاته بدمشق يوم الجمعة و قيل يوم الأربعاء و قيل الخميس، في النصف من شوال سنة ست و ثمانين، و صلى عليه ابنه الوليد ولى عهده من بعده، و كان عمره يوم مات ستين سنة. قاله أبو معشر و صححه الواقدي، و قيل ثلاثا و ستين سنة. قاله المدائني، و قيل ثماني و خمسين. و دفن بباب الجابية الصغير، قال ابن جرير: ذكر أولاده و أزواجه منهم الوليد و سليمان و مروان الأكبر درج و عائشة، و أمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض، و يزيد و مروان الأصغر و معاوية درج و أم كلثوم و أمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، و هشام و أمه أم هشام عائشة- فيما قاله المدائني- بنت هشام بن إسماعيل المخزومي. و أبو بكر و اسمه بكار و أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي، و الحكم درج و أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان الأموي، و فاطمة و أمها المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. و عبد اللَّه و مسلمة و المنذر و عنبسة و محمد و سعد الخير و الحجاج لأمهات أولاد شتى، فكان جملة أولاده تسعة عشر ذكورا و إناثا،