البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٣ - عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
ما جالست أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان فأنى ما ذاكرته حديثا إلا زادني منه، و لا شعرا إلا زادني فيه. و ذكر خليفة بن خياط أن معاوية كتب إلى مروان و هو نائبة على المدينة سنة خمسين أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن خديج، فذكر من كفايته و غنائه و مجاهدته في تلك البلاد شيئا كثيرا. و لم يزل عبد الملك مقيما بالمدينة حتى كانت وقعة الحرة، و استولى ابن الزبير على بلاد الحجاز، و أجلى بنى أمية من هنالك، فقدم مع أبيه الشام، ثم لما صارت الامارة مع أبيه و بايعه أهل الشام كما تقدم أقام في الامارة تسعة أشهر ثم عهد إليه بالامارة من بعده، فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس و ستين، و اجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث و سبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة.
و قال ثعلب عن ابن الأعرابي: لما سلم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه و قال: هذا فراق بيني و بينك. و قال أبو الطفيل: صنع لعبد الملك مجلس توسع فيه، و قد كان بنى له فيه قبة قبل ذلك، فدخله و قال: لقد كان حثمة الأحوازى- يعنى عمر بن الخطاب- يرى أن هذا عليه حرام، و قيل إنه لما وضع المصحف من حجره قال. هذا آخر العهد منك. و كان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء، و كان حازما فهما فطنا سائسا لأمور الدنيا، لا يكل أمر دنياه إلى غيره.
و أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبى العاص، و أبوها معاوية هو الّذي جدع أنف حمزة عم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أحد، و قال سعيد بن عبد العزيز: لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير خرج معه يزيد بن الأسود الجرشى، فلما التقوا قال: اللَّهمّ احجز بين هذين الجبلين و ول الأمر أحبهما إليك. فظفر عبد الملك- و قد كان مصعب من أعز الناس على عبد الملك- و قد ذكرنا كيفية قتله مصعبا. و قال سعيد بن عبد العزيز: لما بويع لعبد الملك بالخلافة كتب إليه عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من عبد اللَّه بن عمر إلى عبد الملك أمير المؤمنين! سلام عليك فانى أحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك راع و كل راع مسئول عن رعيته (اللَّه لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه و من أصدق من اللَّه حديثا) لا أحد و السلام. و بعث به مع سلام فوجدوا عليه إذ قدم اسمه على اسم أمير المؤمنين، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك، فاحتملوا ذلك منه.
و قال الواقدي: حدثني ابن أبى ميسرة عن أبى موسى الخياط عن أبى كعب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: يا أهل المدينة أنا أحق الناس أن يلزم الأمر الأول، و قد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق و لا نعرفها و لا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم