البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٨ - ثم دخلت سنة ثلاث و ثمانين
و الكور و الرساتيق، و هم في أثره حتى وصل إلى كرمان، و اتبعه الشاميون فنزلوا في قصر كان فيه أهل العراق قبلهم، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث الذين فروا معه من شعر أبى خلدة اليشكري يقول:
أيا لهفا و يا حزنا جميعا* * * و يا حر الفؤاد لما لقينا
تركنا الدين و الدنيا جميعا* * * و أسلمنا الحلائل و البنينا
فما كنا أناسا أهل دينا* * * فنمنعها و لو لم نرج دينا
تركنا دورنا لطغام عك* * * و أنباط القرى و الأشعرينا
ثم إن ابن الأشعث دخل هو و من معه من الفل إلى بلاد رتبيل ملك الترك، فأكرمه رتبيل و أنزله عنده و أمنه و عظمه قال الواقدي: و مر ابن الأشعث و هو ذاهب إلى بلاد رتبيل على عامل له في بعض المدن كان ابن الأشعث قد استعمله على ذلك عند رجوعه إلى العراق، فأكرمه ذلك العامل و أهدى إليه هدايا و أنزله، فعل ذلك خديعة به و مكرا، و قال له: ادخل إلى عندي إلى البلد لتتحصن بها من عدوك و لكن لا تدع أحدا ممن معك يدخل المدينة، فأجابه إلى ذلك، و إنما أراد المكر به، فمنعه أصحابه فلم يقبل منهم، فتفرق عنه أصحابه، فلما دخل المدينة وثب عليه العامل فمسكه و أوثقه بالحديد و أراد أن يتخذ به يدا عند الحجاج، و قد كان الملك رتبيل سر بقدوم ابن الأشعث، فلما بلغه ما حدث له من جهة ذلك العامل بمدينة بست، سار حتى أحاط ببست، و أرسل إلى عاملها يقول له: و اللَّه لئن آذيت ابن الأشعث لا أبرح حتى أستنزلك و أقتل جميع من في بلدك، فخافه ذلك العامل و سير إليه ابن الأشعث فأكرمه رتبيل، فقال ابن الأشعث لرتبيل: إن هذا العامل كان عاملي و من جهتي، فغدر بى و فعل ما رأيت، فأذن لي في قتله، فقال: قد أمنته. و كان مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن عياش ابن أبى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، و كان هو الّذي يصلى بالناس لك في بلاد رتبيل، ثم إن جماعة من الفل الذين هربوا من الحجاج اجتمعوا و ساروا وراء ابن الأشعث ليدركوه فيكونوا معه- و هم قريب من ستين ألفا- فلما وصلوا إلى سجستان وجدوا ابن الأشعث قد دخل إلى عند رتبيل فتغلبوا على سجستان و عذبوا عاملها عبد اللَّه بن عامر النعار و إخوته و قرابته، و استحوذوا على ما فيها من الأموال، و انتشروا في تلك البلاد و أخذوها، ثم كتبوا إلى ابن الأشعث: أن اخرج إلينا حتى نكون معك ننصرك على من يخالفك، و نأخذ بلاد خراسان، فان بها جندا و منعة كثيرة منا، فنكون بها حتى يهلك اللَّه الحجاج أو عبد الملك، فنرى بعد ذلك رأينا. فخرج إليهم ابن الأشعث و سار بهم قليلا إلى نحو خراسان فاعتزله شرذمة من أهل العراق مع عبيد اللَّه بن سمرة، فقام فيهم ابن الأشعث