البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٩ - ثم دخلت سنة ثنتين و ثمانين
و ذلك بعد عدة سنين، و كان القمل يتناثر منه في تلك المدة كلها، فلما قضى نسكه رجع إلى المدينة أقام بها حتى مات، و قيل إن الحجاج لما قتل ابن الزبير بعث إلى ابن الحنفية: قد قتل عدو اللَّه فبايع، فكتب إليه إذا بايع الناس كلهم بايعت، فقال الحجاج: و اللَّه لأقتلنك، فقال ابن الحنفية:
إن للَّه في كل يوم ثلاثمائة و ستين نظرة في اللوح المحفوظ، في كل نظرة ثلاثمائة و ستون قضية، فلعل اللَّه تعالى أن يجعلني في قضية منها فيكفينيك فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فأعجبه قوله و كتب إليه قد عرفنا أن محمدا ليس عنده خلاف فارفق به فهو يأتيك و يبايعك، و كتب عبد الملك بكلامه ذلك إن للَّه ثلاثمائة و ستين نظرة إلى ملك الروم، و ذلك أن ملك الروم كتب إلى عبد الملك يتهدده بجموع من الجنود لا يطيقها أحد، فكتب بكلام ابن الحنفية فقال ملك الروم: إن هذا الكلام ليس من كلام عبد الملك، و إنما خرج من بيت نبوة، و لما اجتمع الناس على بيعة عبد الملك قال ابن عمر لابن الحنفية: ما بقي شيء فبايع، فكتب بيعته إلى عبد الملك و وفد عليه بعد ذلك.
توفى ابن الحنفية في المحرم بالمدينة و عمره خمس و ستون سنة، و كان له من الولد عبد اللَّه و حمزة و على و جعفر الأكبر و الحسن و إبراهيم و القاسم و عبد الرحمن و جعفر الأصغر و عون و رقية، و كلهم لأمهات شتى. و قال الزبير بن بكار: كانت شيعته تزعم أنه لم يمت و فيه يقول السيد
ألا قل للوصي فدتك نفسي* * * أطلت بذلك الجبل المقاما
أضر بمعشر والوك منا* * * و سموك الخليفة و الإماما
و عادوا فيك أهل الأرض طرا* * * مقامك فيهم ستين عاما
و ما ذاق ابن خولة طعم موت* * * و لا وارت له أرض عظاما
لقد أمسى بمورق شعب رضوى* * * تراجعه الملائكة الكلاما
و إن له به لمقيل صدق* * * و أندية تحدثه كراما
هدانا اللَّه ادخرتم لأمر* * * به عليه يلتمس التماما
تمام نوره المهدي حتى* * * تروا راياته تترى نظاما
و قد ذهب طائفة من الرافضة إلى إمامته و أنه ينتظر خروجه في آخر الزمان، كما ينتظر طائفة أخرى منهم الحسن بن محمد العسكري، الّذي يخرج في زعمهم من سرداب سامرا، و هذا من خرافاتهم و هذيانهم و جهلهم و ضلالهم و ترهاتهم، و سنزيد ذلك وضوحا في موضعه و إن شاء اللَّه.
ثم دخلت سنة ثنتين و ثمانين
ففي المحرم منها كانت وقعة الزاوية بين ابن الأشعث و الحجاج في آخره، و كان أول يوم لأهل العراق على أهل الشام، ثم توافقوا يوما آخر فحمل سفيان بن الأبرد أحد أمراء أهل الشام على