البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٤
المنذر بن الزبير عن عبد اللَّه بن الزبير أنه سمع عليا يقول: هلاك ملك بنى أمية على رجل أحول يعنى هشاما-.
و روى أبو بكر بن أبى الدنيا عن عمر بن أبى معاذ النميري عن أبيه عن عمرو بن كليع عن سالم كاتب هشام بن عبد الملك: قال خرج علينا يوما هشام و عليه كآبة و قد ظهر [عليه] الحزن، فاستدعى الأبرش بن الوليد فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين ما لي أراك هكذا؟ فقال: ما لي لا أكون و قد زعم أهل العلم بالنجوم أنى أموت إلى ثلاث و ثلاثين من يومى هذا. قال: فكتبنا ذلك، فلما كان آخر ليلة من ذلك جاءني رسوله في الليل يقول: احضر معك دواء للذبحة، و كان قد أصابته قبل ذلك، فاستعمل منه فعوفي، فذهبت إليه و معى ذلك الدواء فتناوله و هو في وجع شديد، و استمر فيه عامة الليل، ثم قال: يا سالم اذهب إلى منزلك فقد وجدت خفة و ذر الدواء عندي، فذهبت فما هو إلا أن وصلت إلى منزلي حتى سمعت الصياح عليه، فجئت فإذا هو قد مات.
و ذكر غيره أن هشاما نظر إلى أولاده و هم يبكون حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، و ترك لكم ما جمع، و تركتم له ما كسب، ما أسوأ منقلب هشام إن لم يغفر اللَّه له. و لما مات جاءت الخزنة فختموا على حواصله و أرادوا تسخين الماء فلم يقدروا له على فحم حتى استعاروا له، و كان نقش خاتمه الحكم للحكم الحكيم. و كانت وفاته بالرصافة يوم الأربعاء لست بقين من ربيع الآخر سنة خمس و عشرين و مائة، و هو ابن بضع و خمسين سنة، و قيل إنه جاوز الستين، و صلى عليه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الّذي ولى الخلافة بعده، و كانت خلافة هشام تسع عشرة سنة و سبعة أشهر و أحد عشر يوما، و قيل و ثمانية أشهر و أيام فاللَّه أعلم.
و قال ابن أبى فديك: ثنا عبد الملك بن زيد عن مصعب عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «ترفع زينة الدنيا سنة خمس و عشرين و مائة».
قال ابن أبى فديك: زينتها نور الإسلام و بهجته، و قال غيره- يعنى الرجال- و اللَّه أعلم.
قلت: لما مات هشام بن عبد الملك مات ملك بنى أمية، و تولى و أدبر أمر الجهاد في سبيل اللَّه و اضطرب أمرهم جدا، و إن كانت قد تأخرت أيامهم بعده نحوا من سبع سنين، و لكن في اختلاف و هيج، و ما زالوا كذلك حتى خرجت عليهم بنو العباس فاستلبوهم نعمتهم و ملكهم، و قتلوا منهم خلقا و سلبوهم الخلافة كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى ذلك مبسوطا مقدرا في مواضع، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
بحمد اللَّه قد تم الجزء التاسع من البداية و النهاية و يليه الجزء العاشر و أوله خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك.