البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥ - فتنة ابن الأشعث
المهلب بصعصعة إليه، فلما تمكن منه بجير بن ورقاء قال ضعوا رأسه عند رجلي، فوضعوه فطعنه بجير بحربته حتى قتله و مات على إثره. و قد قال له أنس بن طارق: اعف عنه فقد قتلت بكير بن وشاح، فقال: لا و اللَّه لا أموت و هذا حي ثم قتله، و قد قيل إنه إنما قتل بعد موته فاللَّه أعلم.
فتنة ابن الأشعث
قال أبو مخنف: كان ابتداؤها في هذه السنة، و قال الواقدي: في سنة ثنتين و ثمانين، و قد ساقها ابن جرير في هذه السنة فوافقناه في ذلك، و كان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يبغضه و كان هو يفهم ذلك و يضمر له السوء و زوال الملك عنه، فلما أمره الحجاج على ذلك الجيش المتقدم ذكره، و أمره بدخول بلاد رتبيل ملك الترك، فمضى و صنع ما قدمناه من أخذه بعض بلاد الترك، ثم رأى لأصحابه أن يقيموا حتى يتقووا إلى العام المقبل، فكتب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج يستهجن رأيه في ذلك و يستضعف عقله و يقرعه بالجبن و النكول عن الحرب، و يأمره حتما بدخول بلاد رتبيل، ثم أردف ذلك بكتاب ثان ثم ثالث مع البريد، و كتب في جملة ذلك يا ابن الحائك الغادر المرتد، امض إلى ما أمرتك به من الإيغال في أرض العدو و إلا حل بك ما لا يطاق.
و كان الحجاج يبغض ابن الأشعث: و يقول هو أهوج أحمق حسود، و أبوه الّذي سلب أمير المؤمنين عثمان ثيابه و قاتله، و دل عبيد اللَّه بن زياد على مسلم بن عقيل حتى قتله، و جده الأشعث ارتد عن الإسلام و ما رأيته قط إلا هممت بقتله، و لما كتب الحجاج إلى ابن الأشعث بذلك و ترادفت إليه البرد بذلك، غضب ابن الأشعث و قال: يكتب إلى بمثل هذا و هو لا يصلح أن يكون من بعض جندي و لا من بعض خدمي لخوره و ضعف قوته؟ أما يذكر أباه من ثقيف هذا الجبان صاحب غزالة- يعنى أن غزالة زوجة شبيب حملت على الحجاج و جيشه فانهزموا منها و هي امرأة لما دخلت الكوفة- ثم إن ابن الأشعث جمع رءوس أهل العراق و قال لهم: إن الحجاج قد ألح عليكم في الإيغال في بلاد العدو، و هي البلاد التي قد هلك فيها إخوانكم بالأمس، و قد أقبل عليكم فصل الشتاء و البرد، فانظروا في أمركم أما أنا فلست مطيعة و لا أنقض رأيا رأيته بالأمس، ثم قام فيهم خطيبا فأعلمهم بما كان رأى من الرأى له و لهم، و طلب في ذلك من إصلاح البلاد التي فتحوها، و أن يقيموا بها حتى يتقووا بغلاتها و أموالها و يخرج عنهم فصل البرد ثم يسيرون في بلاد العدو فيفتحونها بلدا بلدا إلى أن يحصروا رتبيل ملك الترك في مدينة العظماء، ثم أعلمهم بما كتب إليه الحجاج من الأمر بمعاجلة رتبيل. فثار إليه الناس و قالوا: لا بل نأبى على عدو اللَّه الحجاج و لا نسمع له و لا نطيع. قال أبو مخنف:
فحدثني مطرف بن عامر بن وائلة الكناني أن أباه كان أول من تكلم في ذلك، و كان شاعرا خطيبا، و كان مما قال: إن مثل الحجاج في هذا الرأى و مثلنا كما قال الأول لأخيه احمل عبدك على الفرس فان