البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٣ - الزهري
و أعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا و الآخرة. قال الليث: و كان الزهري أسخى من رأيت، يعطى كل من جاء و سأله، حتى إذا لم يبق عنده شيء استسلف. و كان يطعم الناس الثريد و يسقيهم العسل، و كان يستمر على شراب العسل كما يستمر أهل الشراب على شرابهم، و يقول اسقونا و حدثونا، فإذا نعس أحدهم يقول له: ما أنت من سمار قريش، و كانت له قبة معصفرة، و عليه ملحفة معصفرة، و تحته بساط معصفر، و قال الليث قال يحيى بن سعيد: ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب.
و قال عبد الرزاق: أنبأ معمر قال عمر بن عبد العزيز: عليكم بابن شهاب فإنه ما بقي أحد أعلم بسنة ماضية منه، و كذا قال مكحول. و قال أيوب: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري، فقيل له:
و لا الحسن؟ فقال: ما رأيت أعلم من الزهري، و قيل لمكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: الزهري، قيل: ثم من؟ قال الزهري، قيل ثم من؟ قال الزهري. و قال مالك: كان الزهري إذا دخل المدينة لم يحدث بها أحدا حتى يخرج. و قال عبد الرزاق عن ابن عيينة: محدثو أهل الحجاز ثلاثة، الزهري و يحيى بن سعيد و ابن جريج. و قال على بن المديني: الذين أفتوا أربعة، الزهري، و الحكم، و حماد و قتادة، و الزهري أفقههم عندي. و قال الزهري: ثلاثة إذا كن في القاضي فليس بقاض، إذا كره الملاوم و أحب المحامد، و كره العزل. و قال أحمد بن صالح: كان يقال فصحاء زمانهم الزهري و عمر بن عبد العزيز و موسى بن طلحة و عبيد اللَّه، (رحمهم اللَّه). و قال مالك عن الزهري: أنه قال: إن هذا العلم الّذي أدب اللَّه به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أدب رسول اللَّه به أمته أمانة اللَّه إلى رسوله ليؤديه على ما أدى إليه، فمن سمع علما فليجعله أمامه حجة فيما بينه و بين اللَّه عز و جل.
و قال محمد بن الحسين عن يونس عن الزهري قال: الاعتصام بالستة نجاة، و قال الوليد عن الأوزاعي عن الزهري قال: أمرّوا أحاديث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كما جاءت. و قال محمد بن إسحاق عن الزهري: إن من غوائل العلم أن يترك العالم حتى يذهب علمه، و في رواية أن يترك العالم العمل بالعلم حتى يذهب، فان من غوائله قلة انتفاع العالم بعلمه، و من غوائله النسيان و الكذب، و هو أشد الغوائل. و قال أبو زرعة عن نعيم بن حماد عن محمد بن ثور عن معمر عن الزهري قال: القراءة على العالم و السماع عليه سواء إن شاء اللَّه تعالى.
و قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه حظ و نصيب، و قد قضى عنه هشام مرة ثمانين ألف درهم، و في رواية سبعة عشر ألفا، و في رواية عشرين ألفا.
و قال الشافعيّ: عتب رجاء بن حيوة على الزهري في الاسراف و كان يستدين، فقال له: لا آمن أن يحبس هؤلاء القوم ما بأيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانيك، قال: فوعده الزهري أن يقصر،