البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٤ - سنة عشرين و مائة من الهجرة
هشام، فقصدوا نحوها، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما، فقتلوا عامة أصحاب بهلول الخارجي. ثم إن رجلا من جديلة يكنى أبا الموت ضرب بهلولا ضربة فصرعه و تفرقت عنه بقية أصحابه، و كانوا جميعهم سبعين رجلا، و قد رثاهم بعض أصحابهم [١] فقال:-
بدلت بعد أبى بشر و صحبته* * * قوما عليّ مع الأحزاب أعوانا
بانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا* * * و لم يكونوا لنا بالأمس خلانا
يا عين أذرى دموعا منك تهتانا* * * و ابكى لنا صحبة بانوا و جيرانا
خلوا لنا ظاهر الدنيا و باطنها* * * و أصبحوا في جنان الخلد جيرانا
ثم تجمع طائفة منهم أخرى على بعض أمرائهم فقاتلوا و قتلوا و قتلوا، و جهزت إليهم العساكر من عند خالد القسري، و لم يزل حتى أباد خضراءهم و لم يبق لهم باقية. و فيها غزا أسد القسري بلاد الترك، فعرض عليه ملكهم طرخان خان ألف ألف فلم يقبل منه شيئا، و أخذه قهرا فقتله صبرا بين يديه، و أخذ مدينته و قلعته و حواصله و نساءه و أمواله. و فيها خرج الصحاري بن شبيب الخارجي و اتبعه طائفة قليلة نحو من ثلاثين رجلا، فبعث إليهم خالد القسري جندا فقتلوه و جميع أصحابه، فلم يتركوا منهم رجلا واحدا. و حج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك، و حج معه ابن شهاب الزهري ليعلمه مناسك الحج، و كان أمير مكة و المدينة و الطائف محمد بن هشام بن إسماعيل، و أمير العراق و المشرق و خراسان خالد القسري، و نائبة على خراسان بكمالها أخوه أسد ابن عبد اللَّه القسري، و قد قيل إنه توفى في هذه السنة، و قيل في سنة عشرين فاللَّه أعلم. و نائب أرمينية و أذربيجان مروان الحمار و اللَّه أعلم.
سنة عشرين و مائة من الهجرة
فيها غزا سليمان بن هشام بلاد الروم و افتتح فيها حصونا، و فيها غزا إسحاق بن مسلم العقيلي تومان شاه، و افتتحها و خرب أراضيها. و فيها غزا مروان بن محمد بلاد الترك، و فيها كانت وفاة أسد ابن عبد اللَّه القسري أمير خراسان، و كانت وفاته بسبب أنه كانت له دبيلة في جوفه، فلما كان مهرجان هذه السنة قدمت الدهاقين- و هم أمراء المدن الكبار- من سائر البلدان بالهدايا و التحف على أسد، و كان فيمن قدم نائب هراة و دهقانها، و اسم دهقانها خراسان شاه، فقدم بهدايا عظيمة و تحف عزيزة، و كان من جملة ذلك قصر من ذهب، و قصر من فضة، و أباريق من ذهب، و صحاف من ذهب و فضة، و تفاصيل من حرير تلك البلاد ألوان ملونة، فوضع ذلك كله بين يدي أسد حتى امتلأ المجلس، ثم قام الدهقان خطيبا فامتدح أسدا بخصال حسنة، على عقله و رياسته و عدله و منعه أهله و خاصته أن يظلموا أحدا من الرعايا بشيء قل أو كثر، و أنه قهر الخان الأعظم، و كان في مائة ألف
[١] هو الضحاك بن قيس. انظر الطبري (٢: ١٦٢٧) طبع أوربا