البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٢ - ثم دخلت سنة تسع عشرة و مائة
كثيف، فتجهز لذلك و أخذ أهبته، فأرسل من فوره إلى أطراف جيشه، فلمها و أشاع بعض الناس أن خاقان قد هجم على أسد بن عبد اللَّه فقتله و أصحابه، ليحصل بذلك خذلان لأصحابه فلا يجتمعون إليه، فردّ اللَّه كيدهم في نحورهم، و جعل تدميرهم في تدبيرهم، و ذلك أن المسلمين لما سمعوا بذلك أخذتهم حمية الإسلام و ازدادوا حنقا على عدوهم، و عزموا على الأخذ بالثأر، فقصدوا الموضع الّذي فيه أسد، فإذا هو حي قد اجتمعت عليه العساكر من كل جانب، و سار أسد نحو خافان حتى أتى جبل الملح، و أراد أن يخوض نهر بلخ، و كان معهم أغنام كثيرة، فكره أسد أن يتركها وراء ظهره، فأمر كل فارس أن يحمل بين يديه شاة و على عنقه شاة، و توعد من لم يفعل ذلك بقطع اليد، و حمل هو معه شاة و خاضوا النهر، فما خلصوا منه جيدا حتى دهمهم خاقان من ورائهم في خيل دهم، فقتلوا من وجدوه لم يقطع النهر و بعض الضعفة، فلما وقفوا على حافة النهر أحجموا و ظن المسلمون أنهم لا يقطعون إليهم النهر، فتشاور الأتراك فيما بينهم، ثم اتفقوا على أن يحملوا حملة واحدة- و كانوا خمسين ألفا- فيقتحمون النهر، فضربوا بكؤساتهم ضربا شديدا حتى ظن المسلمون أنهم معهم في عسكرهم، ثم رموا بأنفسهم في النهر رمية واحدة، فجعلت خيولهم تنخر أشد النخير، و خرجوا منه إلى ناحية المسلمين فثبت المسلمون في معسكرهم، و كانوا قد خندقوا حولهم خندقا لا يخلصون إليهم منه، فبات الجيشان تتراءى ناراهما، فلما أصبحا مال خاقان على بعض الجيش الّذي للمسلمين فقتل منهم خلقا و أسر أمما و إبلا موقرة، ثم إن الجيشين تواجهوا في يوم عيد الفطر حتى خاف جيش أسد أن لا يصلوا صلاة العيد، فما صلوها إلا على وجل، ثم سار أسد بمن معه حتى نزل مرج بلخ، حتى انقضى الشتاء، فلما كان يوم عيد الأضحى خطب أسد الناس و استشارهم في الذهاب إلى مرو أو في لقاء خاقان، أو في التحصن ببلخ. فمنهم من أشار بالتحصن، و منهم من أشار بملتقاه و التوكل على اللَّه، فوافق ذلك رأى أسد الأسد، فقصد بجيشه نحو خاقان، و صلى بالناس ركعتين أطال فيهما، ثم دعا بدعاء طويل، ثم انصرف و هو يقول: نصرتم إن شاء اللَّه، ثم سار بمن معه من المسلمين فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان، فقتل المسلمون منهم خلقا و أسروا أميرهم و سبعة أمراء معه، ثم ساق أسد فانتهى إلى أغنامهم فاستافها، فإذا هي مائة ألف و خمسون ألف شاة، ثم التقى معهم، و كان خاقان إنما معه أربعة آلاف أو نحوها، و معه رجل من العرب قد خامر إليه، يقال له الحارث بن شريح، فهو يدلهم على عورات المسلمين، فلما أقبل الناس هربت الأتراك في كل جانب، و انهزم خاقان و معه الحارث ابن شريح يحميه و يتبعه، فتبعهم أسد، فلما كان عند الظهيرة انخذل خاقان في أربعمائة من أصحابه، عليهم الخز و معهم الكئوسات، فلما أدركه المسلمون أمر بالكوسات فضربت ضربا شديدا ضرب الانصراف ثلاث مرات فلم يستطيعوا الانصراف، فتقدم المسلمون فاحتاطوا على معسكرهم فاحتازوه