البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - فصل
و هو قائم لا يزول منه شيء و لا يتحرك. و قال ابن عيينة: قلت لابن جرير: ما رأيت مصليا مثلك.
فقال: لو رأيت عطاء؟. و قال عطاء: إن اللَّه لا يحب الفتى يلبس الثوب المشهور، فيعرض اللَّه عنه حتى يضع ذلك الثوب. و كان يقال: ينبغي للعبد أن يكون كالمريض لا بد له من قوت، و ليس كل الطعام يوافقه. و كان يقال: الدعوة تعمى عين الحكيم فكيف بالجاهل؟ و لا تغبطن ذا نعمة بما هو فيه فإنك لا تدري إلى ما ذا يصير بعد الموت] [١]
ثم دخلت سنة خمس عشرة و مائة
ففيها وقع طاعون بالشام، و حج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل و هو نائب الحرمين و الطائف. و النواب في سائر البلاد هم المذكورون في التي قبلها و اللَّه أعلم.
و ممن توفى فيها من الأعيان
أبو جعفر الباقر
و هو محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر الباقر، و أمه أم عبد اللَّه بنت الحسن بن على، و هو تابعي جليل، كبير القدر كثيرا، أحد أعلام هذه الأمة علما و عملا و سيادة و شرفا، و هو أحد من تدعى فيه طائفة الشيعة أنه أحد الأئمة الاثني عشر، و لم يكن الرجل على طريقهم و لا على منوالهم، و لا يدين بما وقع في أذهانهم و أوهامهم و خيالهم، بل كان ممن يقدم أبا بكر و عمر، و ذلك عنده صحيح في الأثر، و قال أيضا: ما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا و هو يتولاهما رضى اللَّه عنهما. و قد روى عن غير واحد من الصحابة، و حدث عنه جماعة من كبار التابعين و غيرهم. فممن روى عنه ابنه جعفر الصادق، و الحكم بن عتيبة، و ربيعة، و الأعمش، و أبو إسحاق السبيعي، و الأوزاعي و الأعرج، و هو أسن منه، و ابن جريج و عطاء و عمرو بن دينار و الزهري.
و قال سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق قال: حدثني أبى و كان خير محمدي يومئذ على وجه الأرض، و قال العجليّ: هو مدني تابعي ثقة، و قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، و كانت وفاته في هذه السنة في قول و قيل في التي قبلها، و قيل في التي بعدها أو في التي هي بعدها و بعد بعدها و اللَّه أعلم.
و قد جاوز السبعين و قيل لم يجاوز الستين فاللَّه أعلم.
[فصل
أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، كان أبوه على زين العابدين، و جده الحسين قتلا شهيدين بالعراق. و سمى الباقر لبقره العلوم و استنباطه الحكم، كان ذاكرا خاشعا صابرا و كان من سلالة النبوة، رفيع النسب عالى الحسب، و كان عارفا بالخطرات، كثير البكاء و العبرات معرضا عن الجدال و الخصومات.
[١] زيادة من المصرية.