البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - فصل
عن بكر بن عبد اللَّه قال سمعت وهبا يقول: مرّ رجل عابد على رجل عابد فرآه مفكرا، فقال له:
مالك؟ فقال له: أعجب من فلان، إنه كان قد بلغ من عبادته ما بلغ، ثم مالت به الدنيا. فقال:
لا تعجب ممن مال كيف مال، و لكن اعجب ممن استقام كيف استقام.
و قال عبد اللَّه ابن الامام أحمد بن حنبل: حدثني أبى حدثنا عبد الرزاق حدثنا بكار بن عبد اللَّه قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن بنى إسرائيل أصابتهم عقوبة و شدة، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): وددنا أن نعلم ما الّذي يرضى ربنا فنتبعه، فأوحى اللَّه عز و جل إليه: إن قومك يقولون:
إذا أرضوهم رضيت، و إذا أسخطوهم أسخطت.
و قال عبد اللَّه بن أحمد أيضا: حدثنا أبى حدثنا إبراهيم بن خالد حدثني عمر بن عبد الرحمن قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن عيسى (عليه السلام) كان واقفا على قبر و معه الحواريون- أو نفر من أصحابه- قال: و صاحب القبر يدلّى فيه، قال:
فذكروا من ظلمة القبر و ضيقه، فقال عيسى: قد كنتم فيما هو أضيق من ذلك، في أرحام أمهاتكم، فإذا أحب اللَّه أن يوسع وسع، أو كما قال.
و قال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا بكار بن عبد اللَّه قال: سمعت وهب بن منبه يقول: كان رجل عابد من السياح أراده الشيطان من قبل الشهوة و الرغبة و الغضب، فلم يستطع منه شيئا من ذلك، فتمثل له حية و هو يصلى، فمضى و لم يلتفت إليه، فالتوى على قدميه فلم يلتفت إليه، فدخل ثيابه و أخرج رأسه من عند رأسه فلم يلتفت و لم يستأخر، فلما أراد أن يسجد التوى في موضع سجوده، فلما وضع رأسه ليسجد فتح فاه ليلتقم رأسه، فوضع رأسه فجعل يعركه حتى استمكن من السجود على الأرض. ثم جاءه على صورة رجل فقال له: أنا صاحبك الّذي أخوفك، أتيتك من قبل الشهوة و الغضب و الرغبة، و أنا الّذي كنت أتمثل لك بالسباع و الحيات فلم أستطع منك شيئا، و قد بدا لي أن أصادقك و لا آتيك في صلاتك بعد اليوم. فقال له العابد: لا يوم خوفتني خفتك، و لا اليوم بى حاجة في مصادقتك. قال: سلني عما شئت أخبرك، قال فما عسيت أن أسألك؟ قال: ألا تسألنى عن مالك ما فعل به بعدك؟ قال: لو أردت ذلك ما فارقته. قال:
أ فلا تسألنى عن أهلك من مات منهم و من بقي؟ قال: أنا مت قبلهم. قال أ فلا تسألنى عما أضل به الناس؟ قال: أنت أضلهم. فأخبرني عن أوثق ما في نفسك تضل به بنى آدم. قال: ثلاثة أخلاق، الشح، و الحدة، و السكر. فان الرجل إذا كان شحيحا قللنا ماله في عينه و رغبناه في أموال الناس، و إذا كان حديدا تداولناه بيننا كما يتداول الصبيان الكرة، و لو كان يحيى الموتى بدعوته لم نيأس منه، و كل ما يبنيه نهدمه، لنا كلمة واحدة. و إذا سكر قدناه إلى كل شر و فضيحة و خزي و هو ان كما تقاد القط إذا أخذ بأذنها كيف شئنا.