البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - فصل
أكلت أكلت طيبا، و إن وضعت وضعت طيبا، و إن وقعت على عدو لم تكسره، و أنصح للَّه نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه و يطردونه و يضربونه و هو يأبى إلا أن يحوطهم و يحفظهم، و ينصح لهم. فكان وهب إذا ذكر هذا الحديث قال: وا سوأتاه إذا كان الكلب أنصح لأهله منك يا ابن آدم للَّه عز و جل. و في رواية أنه قال: إني لأصلى حتى ترم قدماي، فقال له: إنك إن تبت تائبا، و تصبح نادما، خير لك من أن تبيت قائما و تصبح معجبا، إلى آخره. و روى سفيان عن رجل من أهل صنعاء عن وهب فذكر الحديث كما تقدم.
و قال عثمان بن أبى شيبة: حدثنا محمد بن عمران بن أبى ليلى حدثنا الصلت بن عاصم المرادي عن أبيه عن وهب قال: لما أهبط آدم من الجنة استوحش لفقد أصوات الملائكة، فهبط عليه جبريل فقال: يا آدم ألا أعلمك شيئا تنتفع به في الدنيا و الآخرة؟ قال: بلى. قال قل: اللَّهمّ تمم لي النعمة حتى تهنيني المعيشة، اللَّهمّ اختم لي بخير حتى لا تضرني ذنوبي، اللَّهمّ اكفني مؤنة الدنيا و كل هول في القيامة حتى تدخلني الجنة في عافية.
و قال عبد الرزاق: حدثني بكار بن عبد اللَّه عن وهب قال: قرأت في بعض الكتب فوجدت اللَّه تعالى يقول: يا ابن آدم ما أنصفتنى، تذكر بى و تنساني، و تدعو إلى و تفر منى، خيرى إليك نازل، و شرك إلى صاعد، و لا يزال ملك كريم قد نزل إليك من أجلك، يا ابن آدم إن أحب ما تكون إلى و أقرب ما تكون منى إذا رضيت بما قسمت لك، و أبغض ما تكون إليّ، و أبعد ما تكون منى إذا سخطت بما قسمت لك. يا ابن آدم أطعنى فيما أمرتك، و لا تعلمني بما يصلحك، إني عالم بخلقي، و أنا أعلم بحاجتك التي ترفعك من نفسك، إني إنما أكرم من أكرمنى، و أهين من هان عليه أمرى، لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر العبد في حقي. و قال وهب: قرأت نيفا و تسعين كتابا من كتب اللَّه تعالى فوجدت في جميعها: ان من و كل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. و قال: لا يسكن ابن آدم، إن اللَّه هو قسم الأرزاق متفاضلة و مختلفة، فان تقلل ابن آدم شيئا من رزقه فليزدد إلى اللَّه رغبة، و لا يقولن: لو اطلع اللَّه على هذا من حالي، أو شعر به غيره؟ فكيف لا يطلع على شيء الّذي خلقه و قدره؟ أو يعتبر ابن آدم في غير ذلك مما يتفاضل فيه الناس، كأن اللَّه فاضل بينهم في الأجسام و الأموال و الألوان و العقول و الأحلام، فلا يكبر على ابن آدم أن يفضل عليه في الرزق و المعيشة، و لا يكبر عليه أن يفضل عليه في الحلم و العلم و العقل و الدين، أو لا يعلم ابن آدم أن الّذي رزقه في ثلاثة أزمان من عمره لم يكن له في واحد منها كسب و لا حيلة، أنه سوف يرزقه في الزمن الرابع. أول زمان من أزمانه حين كان في بطن أمه، يخلق فيه و يرزق من غير مال كسبه، و هو في قرار مكين، لا يؤذيه فيه حرّ و لا برد، و لا شيء و لا همّ و لا حزن، و ليس له هناك يد تبطش،