البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٣ - فصل
و قال قتيبة بن سعيد: حدثنا كثير بن هشام حدثنا جعفر بن مروان عن وهب بن منبه. عن الطريق و لم تستقم [١] لسائقها، و إن فتر سائقها حزنت، و لم تتبع قائدها: فإذا اجتمعا استقامت طوعا أو كرها، و لا تستطيع الدين إلا بالطوع و الكره، و إن كان كلما كره الإنسان شيئا من دينه تركه، أوشك أن لا يبقى معه من دينه شيء. و قال وهب: إن من حكمة اللَّه عز و جل أنه خلق الخلق مختلفا خلقه و مقاديره، فمنه خلق يدوم ما دامت الدنيا، لا تنقصه الأيام و لا تهرمه و تبليه و يموت، و منه خلق لا يطعم و لا يرزق، و منه خلق يطعم و يرزق، خلقه اللَّه و خلق معه رزقه، ثم خلق اللَّه من ذلك خلقا في البر و خلقا في البحر، ثم جعل رزق ما خلق في البحر و في البحر، و لا ينفع رزق دواب البر دواب البحر، و لا رزق دواب البحر دواب البر، لو خرج ما في البحر إلى البر هلك، و لو دخل ما في البر إلى البحر هلك، ففي ذلك ممن خلق اللَّه في البر و البحر عبرة لمن أهمته قسمة الأرزاق و المعيشة فليعتبر ابن آدم فيما قسم اللَّه من الأرزاق، فإنه لا يكون فيها شيء إلا كما قسمه سبحانه بين خلقه، لا يستطيع أحد أن يغيرها و لا أن يخلطها، كما لا نستطيع دواب البر أن تعيش بأرزاق دواب البحر، و لا دواب البحر بأرزاق دواب البر، و لو اضطرت اليه هلكت كلها، فإذا استقرت كل دابة منها فيما رزقت أصلحها ذلك و أحياها، و كذلك ابن آدم إذا استقر و قنع بما قسم اللَّه له من رزقه أحياه ذلك و أصلحه، فإذا تعاطى رزق غيره نقصه ذلك و ضره و فضحه.
و قال لعطاء الخراساني: كان العلماء قبلكم قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى أهل الدنيا، و لا إلى ما في أيديهم، فكان أهل الدنيا يبذلون إليهم دنياهم رغبة في علمهم، فأصبح أهل العلم فينا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في الدنيا، فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم، فإياك يا عطاء و أبواب السلطان فان عند أبوابهم فتنا كمبارك الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك مثله.
و قال إبراهيم الجنيد: حدثنا عبد اللَّه بن أبى بكر المقدمي حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا عمر بن عبد الرحمن الصنعاني قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم، فقال: كيف صلاتك؟ فقال: ما أحسب أحدا سمع بذكر الجنة و النار يأتى عليه ساعة لا يصلى فيها، قال: فكيف ذكرك للموت؟ قال: ما أرفع قدما و لا أضع أخرى إلا رأيت أنى ميت. فقال: فكيف صلاتك أنت أيها الرجل؟ فقال: إني لأصلى و أبكى حتى ينبت العشب من دموعي، فقال العالم: أما إنك إن تضحك و أنت معترف بخطيئتك خير لك من أن تبكى و أنت مدل بعلمك، فان المدل لا يرفع له عمل فقال: أوصني فانى أراك حكيما، فقال ازهد في الدنيا و لا تنازع أهلها فيها، و كن فيها كالنخلة، إن
[١] كذا بالأصل و فيه نقص أو تحريف فليحرر.