البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - فصل
و العقل، و الفقه و العمل، ثم أكبر نفسك عن أخلاق السفهاء و عبيد الدنيا، و عبّدها على أخلاق الأنبياء و العلماء العاملين، و عوّدها فعل الحكماء، و أمنعها عمل الأشقياء، و ألزمها سيرة الأتقياء، و أعز بها عن سبل الخبثاء، و ما كان لك من فضل فأعن به من دونك، و ما كان فيمن دونك من نقص فأعنه عليه حتى يبلغه، فان الحكيم من جمع فواضله و عاد بها على من دونه، و ينظر في نقائص من دونه فيقويها و يرجيها حتى يبلغه، إن كان فقيها حمل من لا فقه له إذا رأى أنه يريد صحابته و معونته و إذا كان له مال أعطى منه من لا مال له، و إذا كان مصلحا استغفر للمذنب و رجا توبته، و إذا كان محسنا أحسن إلى من أساء إليه و استوجب بذلك أجره، و لا يغتر بالقول حتى يحسن منه الفعل، فإذا أحسن الفعل نظر إلى فضل اللَّه و إحسانه إليه، و لا يتمنى الفعل حتى يفعله، فإذا بلغ من طاعة اللَّه مبلغا حمد اللَّه على ما بلغ منها ثم طلب ما لم يبلغ منها، و إذا ذكر خطيئة سترها عن الناس و استغفر اللَّه الّذي هو قادر على أن يغفرها، و إذا علم من الحكمة شيئا لم يشبعه بل يطلب ما لم يبلغ منها، ثم لا يستعين بشيء من الكذب، فان الكذب كالأكلة في الجسد تكاد تأكله، أو كالأكلة في الخشب، يرى ظهرها حسنا و جوفها نخر تغر من يراها حتى تنكسر على ما فيها و تهلك من اغتر بها.
و كذلك الكذب في الحديث لا يزال صاحبه يغتر به، يظن أنه معينة على حاجته و رائد له في رغبته، حتى يعرف ذلك منه، و يتبين لذوي العقول غروره، فتستنبط الفقهاء ما كان يستخفى به عنه، فإذا اطلعوا على ذلك من أمره و تبين لهم، كذبوا خبره، و أباروا شهادته، و اتهموا صدقه، و حقروا شأنه، و أبغضوا مجلسه، و استخفوا منه بسرائرهم، و كتموه حديثهم، و صرفوا عنه أماناتهم، و غيبوا عنه أمرهم، و حذروه على دينهم و معيشتهم، و لم يحضروه شيئا من محاضرتهم، و لم يأمنوه على شيء من سرّهم، و لم يحكموه فيما شجر بينهم.
و روى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب قال: قال لقمان لابنه: إن مثل أهل الذكر و الغفلة كمثل النور و الظلمة. و قال: قرأت في التوراة أربعة أسطر متواليات: من قرأ كتاب اللَّه فظن أنه لا يغفر له فهو من المستهزءين بآيات اللَّه، و من شكا مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه عز و جل، و من أسف على ما فاته من الدنيا سخط قضاء ربه عز و جل، و من تضعضع لغني ذهب ثلث دينه.
و قال وهب: قرأت في التوراة: أيما دار بنيت بقوة الضعفاء جعلت عاقبتها إلى الخراب، و أيما مال جمع من غير حله أسرع الفقر إلى أهله.
و قال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا معمر عن محمد بن عمرو قال: سمعت وهب بن منبه يقول:
وجدت في بعض الكتب: يقول اللَّه تعالى: إذا أطاعنى عبدي استجبت له من قبل أن يدعوني، و أعطيته من قبل أن يسألنى، و إن عبدي إذا أطاعنى لو أن أهل السموات و أهل الأرض أجلبوا