البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - فصل
انظر هل ترى في المسجد أحدا؟ فذهب فنظر ثم رجع إليه فقال: ليس في المسجد أحد، فقال:
أ ليس أمرتك أن تنظر هل ترى أحدا قد يكون في المسجد من الأمراء [١]؟. و قال عن رجل ذكر له ذلك الأسود، ثم قال: أستغفر اللَّه! ما أرانى إلا قد اغتبت الرجل- و كان الرجل أسود- و قال:
اشترك سبعة في قتل امرأة فقتلهم عمر، فقال لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتلها لأبدت خضراءهم.
وهب بن منبه اليماني
تابعي جليل، و له معرفة بكتب الأوائل، و هو يشبه كعب الأحبار، و له صلاح و عبادة، و يروى عنه أقوال حسنة و حكم و مواعظ، و قد بسطنا ترجمته في كتابنا التكميل و للَّه الحمد. قال الواقدي: توفى بصنعاء سنة عشر و مائة، و قال غيره: بعدها بسنة، و قيل بأكثر، و اللَّه أعلم.
و يزعم بعض الناس أن قبره غربي بصرى بقرية يقال لها عصم، و لم أجد لذلك أصلا، و اللَّه أعلم.
انتهى ما ذكره المؤلف.
فصل
أدرك وهب بن منبه عدة من الصحابة، و أسند عن ابن عباس و جابر و النعمان بن بشير.
و روى عن معاذ بن جبل و أبى هريرة، و عن طاوس. و عنه من التابعين عدة. و قال وهب: مثل من تعلم علما لا يعمل به كمثل طبيب معه شفاء لا يتداوى به. و عن منير مولى الفضل بن أبى عياش قال: كنت جالسا مع وهب بن منبه فأتاه رجل فقال له: إني مررت بفلان و هو يشتمك، فغضب و قال: ما وجد الشيطان رسولا غيرك؟ فما برحت من عنده حتى جاءه ذلك الشاتم فسلم على وهب فرد (عليه السلام)، و مد يده إليه و صافحه و أجلسه إلى جنبه. و قال ابن طاوس: سمعت وهبا يقول: ابن آدم احتل لدينك فان رزقك سيأتيك. و قال وهب: كسى أهل النار و العرى كان خيرا لهم، و طعموا و الجوع كان خيرا لهم، و أعطوا الحياة و الموت كان خيرا لهم. و قال: قال داود (عليه السلام): اللَّهمّ أيما فقير سأل غنيا فتصامّ عنه، فأسألك إذا دعاك فلا تجبه، و إذا سألك فلا تعطه. و قال: قرأت في بعض كتب اللَّه: ابن آدم، لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم، و لم تعمل بما قد علمت، فان مثلك كمثل رجل احتطب حطبا فحزم حزمة فذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى. و قال: إن للَّه ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منها عالم واحد، و ما العمارة في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء.
و روى الطبراني عنه أنه قال: إذا أردت أن تعمل بطاعة اللَّه عز و جل فاجتهد في نصحك و عملك للَّه، فان العمل لا يقبل ممن ليس بناصح، و النصح للَّه لا يكمل إلا بطاعة اللَّه، كمثل الثمرة الطيبة ريحها و طعمها، كذلك مثل طاعة اللَّه، النصح ريحها، و العمل طعمها، ثم زين طاعتك بالحلم
[١] كذا الأصل، و فيه تحريف.