البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٥ - محمد بن سيرين
من قلبه يأمره و ينهاه. و قال: ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم منه و تكتم خيره.
و قال: العزلة عبادة، و كان إذا ذكر الموت مات منه كل عضو على حدته. و في رواية كان يتغير لونه و ينكر حاله، حتى كأنه ليس بالذي كان، و كان إذا سئل عن الرؤيا قال للسائل: اتّق اللَّه في اليقظة و لا يغرك ما رأيت في المنام. و قال له رجل: رأيت كأنى أصب الزيت في الزيتون، فقال: فتش على امرأتك فإنها أمك، ففتش فإذا هي أمه. و ذلك أن الرجل أخذ من بلاده صغيرا سبيا ثم مكث في بلاد الإسلام إلى أن كبر، ثم سبيت أمه فاشتراها جاهلا أنها أمه، فلما رأى هذه الرؤيا و ذكرها لابن سيرين فأمره أن يفتش على ذلك، ففتش فوجد الأمر على ما ذكره. و قال له آخر: رأيت كأنى دست- أو قال وطئت- تمرة فخرجت منها فأرة. فقال له: تتزوج امرأة- أو قال: تطأ امرأة- صالحة تلد بنتا فاسقة، فكان كما قال. و قال له آخر: رأيت كأن على سطح بيتي حبات شعير فجاء ديك فلقطها، فقال له: إن سرق لك شيء في هذه الأيام فأتنى. فوضعوا بساطا على سطحهم فسرق، فجاء إليه فأخبره، فقال: اذهب إلى مؤذن محلتك فخذه منه، فجاء إلى المؤذن فأخذ البساط منه. و قال له رجل: رأيت الحمام تلقط الياسمين. فقال: مات علماء البصرة. و أتاه رجل فقال: رأيت رجلا عريانا واقفا على مزبلة و بيده طنبور يضرب به، فقال له ابن سيرين: لا تصلح هذه الرؤيا في زماننا هذا إلا للحسن البصري، فقال: الحسن هو و اللَّه الّذي رأيت. فقال: نعم، لأن المزبلة الدنيا و قد جعلها تحت رجليه، و عريه تجرده عنها، و الطنبور يضرب به هي المواعظ التي يقرع بها آذان الناس.
و قال له آخر: رأيت كأنى أستاك و الدم يسيل. فقال له: أنت رجل تقع في أعراض الناس و تأكل لحومهم و تخرج في بابه و تأتيه [١].
و قال له آخر: رأيت كأنى أرى اللؤلؤ في الحمأة، فقال له: أنت رجل تضع القرآن و العلم عند غير أهله و من لا ينتفع به. و جاءته امرأة فقالت: رأيت كأن سنورا أدخل رأسه في بطن زوجي فأخذ منه قطعة، فقال لها ابن سيرين: سرق لزوجك ثلاثمائة درهم، و ستة عشر درهما، فقالت: صدقت من أين أخذته؟ فقال: من هجاء حروفه و هي حساب الجمل، فالسين ستون، و النون خمسون، و الواو ستة و الراء مائتان، و ذلك ثلاثمائة و ستة عشر، و ذكرت السنور أسود فقال: هو عبد في جواركم، فالزموا عبدا أسود كان في جوارهم و ضرب فأقر بالمال المذكور. و قال له رجل: رأيت لحيتي قد طالت و أنا انظر إليها. فقال له أ مؤذن أنت؟ قال: نعم! قال له: اتّق اللَّه و لا تنظر إلى دور الجيران. و قال له آخر: رأيت كأن لحيتي قد طالت حتى جززتها و نسجتها كساء و بعته في السوق. فقال له: اتّق اللَّه فإنك شاهد زور. و قال له آخر: رأيت كأنى آكل أصابعى، فقال له تأكل من عمل يدك. و قال لرجل
[١] كذا الأصل، و فيه تحريف.