البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - أما الحسن
و لا الورعة، و متى كانت القراءة هكذا أو يقول مثل هذا، لا أكثر اللَّه في الناس، مثل هؤلاء. ثم روى الحسن عن جندب قال: قال لنا حذيفة: هل تخافون من شيء؟ قال: قلت و اللَّه إنك و أصحابك لأهون الناس عندنا، فقال: أما و الّذي نفسي بيده لا تؤتون إلا من قبلنا، و مع ذلك نشئ آخر يقرءون القرآن يكونون في آخر هذه الأمة ينثرونه نثر الدقل، لا يجاوز تراقيهم، تسبق قراءتهم إيمانهم.
و روى ابن أبى الدنيا عنه في ذم الغيبة له قال: و اللَّه للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في جسده. و كان يقول: ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الايمان حتى لا تصيب الناس بعيب هو فيك، و حتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان ذلك شغلك في طاعة نفسك، و أحب العباد إلى اللَّه من كان هكذا. و قال الحسن: ليس بينك و بين الفاسق حرمة. و قال:
ليس لمبتدع غيبة. و قال أصلت بن طريف: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلن بفجوره، ذكرى له بما فيه غيبة؟ قال: لا و لا كرامة. و قال: إذا ظهر فجوره فلا غيبة له. و قال: ثلاثة لا تحرم عليك غيبتهم: المجاهر بالفسق، و الامام الجائر، و المبتدع. و قال له رجل: إن قوما يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلا، فقال: هون عليك يا هذا فانى أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، و أطمعتها في النجاة من النار فطمعت، و أطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلا، فان الناس لم يرضوا عن خالقهم و رازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟ و قال: كانوا يقولون: من رمى أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يصيب ذلك الذنب. و قال الحسن: قال لقمان لابنه: يا بنى إياك و الكذب فإنه شهى كلحم العصفور عما قليل يقلاه صاحبه. و قال الحسن: اعتبروا الناس بأعمالهم و دعوا أقوالهم فان اللَّه عز و جل لم يدع قولا إلا جعل عليه دليلا من عمل يصدقه أو يكذبه، فان سمعت قولا حسنا فرويدا بصاحبه، فان وافق قول عملا فنعم و نعمت عين أخته و أخيه، و إذا خالف قول عملا فما ذا يشبه عليك منه، أم ما ذا يخفى عليك منه؟ إياك و إياه لا يخدعنك كما خدع ابن آدم، إن لك قولا و عملا، فعملك أحق بك من قولك، و إن لك سريرة و علانية، فسريرتك أحق بك من علانيتك، و إن لك عاجلة و عاقبة، فعاقبتك أحق بك من عاجلتك.
و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا حمزة بن العباس أنبأ عبدان بن عثمان أنبأ معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال: إذا شبت لقيت الرجل أبيض حديد اللسان حديد النظر ميت القلب و العمل، أنت أبصر به من نفسه، ترى أبدانا و لا قلوبا، و تسمع الصوت و لا أنيس، أخصب ألسنة و أجدب قلوبا، يأكل أحدهم من غير ماله و يبكى على عماله، فإذا كهضته البطنة قال: يا جارية أو يا غلام ايتني بهاضم، و هل هضمت يا مسكين إلا دينك؟. و قال: من رق ثوبه رق دينه، و من سمن جسده هزل دينه، و من طاب طعامه أنتن كسبه. و قال فيما رواه عنه الآجري: رأس مال المؤمن