البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٠ - جرير الشاعر
بالجزية فنصبوا له الحرب و قاتلوه، ثم كانت بينه و بين الترك حروب كثيرة، أطال ابن جرير بسطها و شرحها فوق الحاجة. و فيها أرسل أمير المؤمنين هشام بن عبيدة إلى إفريقية متوليا عليها، فلما وصل جهز ابنه و أخاه في جيش فالتقوا مع المشركين فقتلوا منهم خلقا كثيرا و أسروا بطريقهم و انهزم باقيهم، و غنم المسلمون منهم شيئا كثيرا. و فيها افتتح معاوية بن هشام حصنين من بلاد الروم، و غنم غنائم جمة. و فيها حج بالناس إبراهيم بن هشام، و على العراق خالد القسري، و على خراسان أشرس السلمي.
ذكر من توفى فيها من الأعيان:
جرير الشاعر
و هو جرير بن الخطفى و يقال ابن عطية بن الخطفى و اسم الخطفى حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن طابخة بن الياس ابن مضر بن نزار، أبو حرزة الشاعر البصري، قدم دمشق مرارا، و امتدح يزيد بن معاوية و الخلفاء من بعده و وفد على عمر بن عبد العزيز، و كان في عصره من الشعراء الذين يقارنونه الفرزدق و الأخطل، و كان جرير أشعرهم و أخيرهم، قال غير واحد: هو أشعر الثلاثة، قال ابن دريد ثنا الاشناندانى ثنا الثوري عن أبى عبيدة عن عثمان البنيّ قال: رأيت جريرا و ما تضم شفتاه من التسبيح، فقلت: و ما ينفعك هذا؟ فقال: سبحان اللَّه و الحمد للَّه و لا إله إلا اللَّه و اللَّه أكبر و للَّه الحمد إن الحسنات يذهبن السيئات، وعد من اللَّه حق. و قال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: دخل رجل من بنى عذرة على عبد الملك بن مروان يمتدحه بقصيدة و عنده الشعراء الثلاثة، جرير و الفرزدق و الأخطل، فلم يعرفهم الأعرابي، فقال عبد الملك للأعرابى: هل تعرف أهجى بيت قالته العرب في الإسلام؟ قال: نعم! قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير* * * فلا كعبا بلغت و لا كلابا
فقال: أحسنت، فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم! قول جرير:
أ لستم خير من ركب المطايا* * * و أندى العالمين بطون راح
فقال: أصبت و أحسنت، فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم! قول جرير:
إن العيون التي في طرفها مرض* * * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به* * * و هن أضعف خلق اللَّه أركانا
فقال: أحسنت، فهل تعرف جريرا؟ قال: لا و اللَّه، و إني إلى رؤيته لمشتاق، قال: فهذا جرير و هذا الفرزدق و هذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول:-