البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠ - ذكر مقتل شبيب في هذه السنة عند ابن الكلبي
فبينما شبيب على متن الجسر راكبا على حصان له و بين يديه فرس أنثى إذ نزا حصانه عليها و هو على الجسر فنزل حافر فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء، فقال ليقضى اللَّه أمرا كان مفعولا، ثم انغمر في الماء ثم ارتفع و هو يقول (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فغرق. فلما تحققت الخوارج سقوطه في الماء كبروا و انصرفوا ذاهبين متفرقين في البلاد، و جاء أمير جيش الحجاج فاستخرج شبيبا من الماء و عليه درعه، ثم أمر به فشق صدره فاستخرج قلبه فإذا هو مجتمع صلب كأنه صخرة، و كانوا يضربون به الأرض فيرتفع قامة الإنسان. و قيل إنه كان معه رجال قد أبغضوه لما أصاب من عشائرهم، فلما تخلف في الساقة اشتوروا و قالوا نقطع الجسر به ففعلوا ذلك فمالت السفن بالجسر و نفر فرسه فسقط في الماء فغرق، و نادوا غرق أمير المؤمنين، فعرف جيش الحجاج ذلك فجاءوا فاستخرجوه، و لما نعى شبيب إلى أمه قالت: صدقتم إني كنت رأيت في المنام و أنا حامل به أنه قد خرج منها شهاب من نار فعلمت أن النار لا يطفئها إلا الماء، و أنه لا يطفئه إلا الماء، و كانت أمه جارية اسمها جهبرة، و كانت جميلة، و كانت من أشجع النساء، تقاتل مع ابنها في الحروب. و ذكر ابن خلكان أنها قتلت في هذه الغزوة، و كذلك قتلت زوجته غزالة، و كانت أيضا شديدة البأس تقاتل قتالا شديدا يعجز عنه الأبطال من الرجال، و كان الحجاج يخاف منها أشد خوف حتى قال فيه بعض الشعراء:
أسد عليّ و في الحروب نعامة* * * فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغا* * * بل كان قلبك في جناحي طائر
قال: و قد كان شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلت بن قيس بن شراحيل ابن صبرة بن ذهل بن شيبان الشيباني، يدعى الخلافة و يتسمى بأمير المؤمنين، و لو لا أن اللَّه تعالى قهره بما قهره به من الغرق لنال الخلافة إن شاء اللَّه، و لما قدر عليه أحد، و إنما قهره اللَّه على يدي الحجاج لما أرسل إليه عبد الملك بعسكر الشام لقتاله، و لما ألقاه جواده على الجسر في نهر دجيل قال له رجل:
أغرقا يا أمير المؤمنين؟ قال (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) قال ثم أخرج و حمل إلى الحجاج فأمر فنزع قلبه من صدره فإذا هو مثل الحجر، و كان شبيب رجلا طويلا أشمط جعدا، و كان مولده في يوم عيد النحر سنة ست و عشرين، و قد أمسك رجل من أصحابه فحمل إلى عبد الملك بن مروان فقال له أنت القائل:
فان يك منكم كان مروان و ابنه* * * و عمرو و منكم هاشم و حبيب
فمنا حصين و البطين و قعنب* * * و منا أمير المؤمنين شبيب
فقال: إنما قلت و منا يا أمير المؤمنين شبيب. فأعجبه اعتذاره و أطلقه و اللَّه سبحانه أعلم.
و في هذه السنة كانت حروب كثيرة جدا بين المهلب بن أبى صفرة نائب الحجاج، و بين الخوارج من الأزارقة و أميرهم قطري بن الفجاءة، و كان قطري أيضا من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين