البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦ - زهير بن قيس البلوى
قال: و ما حاجتك؟ قال أن ترفع إزارك، قال: نعم، و نعمت عين، فرفع إزاره، فقال صلة: هذا أمثل مما أردتم لو شتمتموه لشتمكم. و منها ما حكاه جعفر بن زيد قال: خرجنا في غزاة و في الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فقلت لأرمقن عمله الليلة، فدخل غيضة و دخلت في أثره فقام يصلى و جاء الأسد حتى دنا منه و صعدت أنا في شجرة، قال فتراه التفت أوعده جروا حتى سجد فقلت:
الآن يفترسه، فجلس ثم سلم فقال: أيها السبع إن كنت أمرت بشيء فافعل و إلا فاطلب الرزق من مكان آخر، فولى الأسد و إن له لزئيرا تصدع منه الجبال، فلما كان عند الصباح جلس فحمد اللَّه بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال: اللَّهمّ إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة. ثم رجع إلى الجيش فأصبح كأنه بات على الحشا، و أصبحت و بى من الفترة شيء اللَّه به عليم.
قال: و ذهبت بغلته بثقلها فقال: اللَّهمّ إني أسألك أن ترد على بغلتي بثقلها، فجاءت حتى قامت بين يديه، قال: فلما التقينا العدو حمل هو و هشام بن عامر فصنعنا بهم طعنا و ضربا، فقال العدو: رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا كلهم؟ أعطوا المسلمين حاجتهم- يعنى انزلوا على حكمهم- و قال صله: جعت مرة في غزاة جوعا شديدا فبينما أنا أسير أدعو ربى و أستطعمه، إذ سمعت وجبة من خلفي فالتفت فإذا أنا بمنديل أبيض فإذا فيه دوخلة ملآنة رطبا فأكلت منه حتى شبعت، و أدركنى المساء فملت إلى دير راهب فحدثته الحديث فاستطعمنى من الرطب فأطعمته، ثم إني مررت على ذلك الراهب بعد زمان فإذا نخلات حسان فقال: إنهن لمن الرطبات التي أطعمتني، و جاء بذلك المنديل إلى امرأته فكانت تريه للناس، و لما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيت العروس بيتا مطيبا فقام يصلى فقامت تصلى معه، فلم يزالا يصليان حتى برق الصبح، قال:
فأتيته فقلت له: أي عم أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلى و تركتها؟ قال: إنك أدخلتنى بيتا أول النهار أذكرتنى به النار، و أدخلتنى بيتا آخر النهار أذكرتنى به الجنة، فلم تزل فكرتي فيهما حتى أصبحت، البيت الّذي أذكره به النار هو الحمام، و البيت الّذي أذكره به الجنة هو بيت العروس.
و قال له رجل: أدعو اللَّه لي: فقال رغبك اللَّه فيما يبقى، و زهدك فيما يفنى، و رزقك اليقين الّذي لا يركن إلا إليه، و لا يعول في الدين إلا عليه. و كان صلة في غزاة و معه ابنه فقال له: أي بنى تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم صله فقاتل حتى قتل، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحبا بكن، و إن كنتن جئتن لتعزيننى فارجعن، توفى صلة في غزاة هو و ابنه نحو بلاد فارس في هذه السنة.
زهير بن قيس البلوى
شهد فتح مصر و سكنها، له صحبة، قتلته الروم ببرقة من بلاد المغرب، و ذلك أن الصريخ أتى