البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٧ - الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا (عليهما السلام)
في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة. و هذا غريب جدا. و روى ابن عساكر من طريق أبى مسهر عن المنذر بن نافع- مولى أم عمرو بنت مروان- عن أبيه- و في رواية عن رجل قد سماه- أن واثلة ابن الأسقع خرج من باب المسجد الّذي يلي باب جيرون فلقيه كعب الأحبار فقال: أين تريد؟ قال واثلة: أريد بيت المقدس. فقال: تعال أريك موضعا في المسجد من صلى فيه فكأنما صلى في بيت المقدس، فذهب به فأراه ما بين الباب الأصفر الّذي يخرج منه الوالي- يعنى الخليفة- إلى الحنية- يعنى القنطرة الغربية- فقال: من صلى فيما بين هذين فكأنما صلى في بيت المقدس، فقال واثلة: إنه لمجلسى و مجلس قومي. قال كعب: هو ذاك. و هذا أيضا غريب جدا و منكر و لا يعتمد على مثله.
و عن الوليد بن مسلم قال: لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحا من حجر فيه كتاب نقش، فبعثوا به إلى الوليد فبعثه إلى الروم فلم يستخرجوه، ثم بعث إلى من كان بدمشق من بقية الإسبان فلم يستخرجوه، فدل على وهب بن منبه فبعث إليه، فلما قدم عليه أخبره بموضع ذلك اللوح فوجدوه في ذلك الحائط- و يقال ذلك الحائط بناه هود (عليه السلام)- فلما نظر إليه وهب حرك رأسه و قرأه فإذا هو:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، و إنما تلقى ندمك لو قد زل بك قدمك. و أسلمك أهلك و حشمك، و انصرف عنك الحبيب و أسلمك الصاحب و القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، و لا إلى عملك زائد، فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، و قبل الحسرة و الندامة، قبل أن يحل بك أجلك، و تنزع منك روحك، فلا ينفعك مال جمعته، و لا ولد ولدته، و لا أخ تركته، ثم تصير إلى برزخ الثرى، و مجاورة الموتى، فاغتنم الحياة قبل الممات، و القوة قبل الضعف، و الصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم و يحال بينك و بين العمل، و كتب في زمن [١] داود (عليهما السلام).
و قال ابن عساكر: قرأت على أبى محمد السلمي عن عبد العزيز التميمي أنبأ تمام الرازيّ ثنا ابن البرامي سمعت أبا مروان عبد الرحمن بن عمر المازني يقول: لما كان في أيام الوليد بن عبد الملك و بنائه المسجد احتفروا فيه موضعا فوجدوا بابا من حجارة مغلقا، فلم يفتحوه و أعلموا به الوليد، فخرج حتى وقف عليه، و فتح بين يديه، فإذا داخله مغارة فيها تمثال إنسان من حجارة، على فرس من حجارة، في يد التمثال الواحدة الدّرة التي كانت في المحراب، و يده الأخرى مقبوضة، فأمر بها فكسرت، فإذا فيها حبتان، حبة قمح و حبة شعير، فسأل عن ذلك فقيل له لو تركت الكف لم تكسرها لم يسوس في هذا البلد قمح و لا شعير. و قال الحافظ أبو حمدان الوراق- و كان قد عمر مائة
[١] كذا بالأصول، و لعله سقط منه لفظ «سليمان بن».