البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
الجوهر- بعث إلى سليمان و الى شرطة دمشق أن يبعث بها إليه، فسرقها الوالي خوفا من الناس و أرسلها إليه، فلما ولى المأمون ردها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين. قال ابن عساكر: ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج، قال: و قد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شيء، قالوا: و كانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق، و إنما كان عليها الستور مرخاة، و كذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكومة التي فوقها الفصوص المذهبة، و رءوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير، و عملوا له شرفات تحيط به، و بنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مئذنة العروس، فأما الشرقية و الغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة، و قد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا، بنتها اليونان للرصد، ثم بعد ذلك سقطت الشماليتان و بقيت القبليتان إلى الآن، و قد أحرق بعض الشرقية بعد الأربعين و سبعمائة، فنقضت و جدد بناؤها من أموال النصارى، حيث اتهموا بحريقها، فقامت على أحسن الأشكال، بيضاء بذاتها و هي و اللَّه أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان.
[قلت: ثم أحرق أعلى هذه المنارة و جددت، و كان أعلاها من خشب فبنيت بحجارة كلها في آخر السبعين و سبعمائة، فصارت كلها مبنية بالحجارة] [١] و المقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه، و لا أبهى و لا أجمل منه، بحيث إنه إذا نظر الناظر إليه أو إلى جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيها نظره لحسنه و جماله، و لا يمل ناظره، بل كلما أدمن النظر بانت له أعجوبة ليست كالأخرى، و كانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية، لا من الحيات و لا من العقارب، و لا الخنافس و لا العناكيب، و يقال و لا العصافير أيضا تعشش فيه، و لا الحمام و لا شيء مما يتأذى به الناس، و أكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف هذا المعبد، مما يلي السبع، فأحرقت لما أحرق ليلة النصف من شعبان بعد العصر، سنة إحدى و ستين و أربعمائة، في دولة الفاطميين كما سيأتي ذلك في موضعه. و قد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان بعضها باق إلى يومنا هذا و اللَّه أعلم.
فمن ذلك العمود الّذي في رأسه مثل الكرة في سوق الشعير عند قنطرة أم حكيم، و هذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين، ذكر أهل دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق باطنه فبال، و ذلك مجرب من عهد اليونان.
[١] زيادة من المصرية.