البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٤ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
صغيرة. و قد تكلمنا على ذلك فيما سلف و بيناه. فبنى لهم هذا الملك الّذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى، كنائس كبيرة في دمشق و في غيرها، حتى يقال إنه بنى اثنتي عشرة ألف كنيسة، و أوقف عليها أوقافا دارّة، من ذلك كنيسة بيت لحم، و قمامة في القدس، بنتها أم هيلانة الغندقانية، و غير ذلك.
و المقصود أنهم- يعنى النصارى- حولوا بناء هذا المعبد الّذي هو بدمشق معظما عند اليونان فجعلوه كنيسة يوحنا، و بنوا بدمشق كنائس كثيرة غيرها مستأنفة، و استمر النصارى على دينهم بدمشق و غيرها نحوا من ثلاثمائة سنة، حتى بعث اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، فكان من شأنه ما تقدم بعضه في كتاب السيرة من هذا الكتاب، و قد بعث إلى ملك الروم في زمانه- و هو قيصر ذلك الوقت- و اسمه هرقل يدعوه إلى اللَّه عز و جل، و كان من مراجعته و مخاطبته إلى أبى سفيان ما تقدم، ثم بعث أمراءه الثلاثة، زيد بن حارثة، و جعفر، و ابن رواحة، إلى البلقاء من تخوم الشام، فبعث الروم إليهم جيشا كبيرا فقتلوا هؤلاء الأمراء و جماعة ممن معهم من الجيش، فعزم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) على قتال الروم و دخول الشام عام تبوك، ثم رجع عام ذلك لشدة الحر، و ضعف الحال، و ضيقة على الناس.
ثم لما توفى بعث الصديق الجيوش إلى الشام بكمالها، و من ذلك مدينة دمشق بأعمالها، و قد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها، فلما استقرت اليد الإسلامية عليها و أنزل اللَّه رحمته فيها، و ساق بره إليها، و كتب أمير الحرب أبو عبيدة إذ ذاك، و قيل خالد بن الوليد، لأهل دمشق كتاب أمان، أقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة، و أخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف، و أخذت النصارى الأمان من أبى عبيدة، و كان على باب الجابية الصلح، فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا و نصفه عنوة، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدا يصلى فيه المسلمون، و كان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه، التي يقال لها محراب الصحابة. و لكن لم يكن الجدار مفتوحا بمحراب محنى، و إنما كانوا يصلون عنده هذه البقعة المباركة، و الظاهر أن الوليد هو الّذي فتق المحاريب في الجدار القبلي [قلت: هذه المحاريب متجددة ليست من فتق الوليد، و إنما فتق الوليد محرابا واحدا، إن كان قد فعل، و لعله لم يفعل شيئا منها، فكان يصلى فيه الخليفة، و بقيتها فتقت قريبا، لكل إمام محراب، شافعيّ و حنفي و مالكي و حنبلي، و هؤلاء إنما حدثوا بعد الوليد بزمان] [١] و قد كره كثير من السلف مثل هذه المحاريب، و جعلوه من البدع المحدثة، و كان المسلمون و النصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد،
[١] زيادة من المصرية: