البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٤ - على بن الحسين
الباب حتى خرج فسلمت عليه و دعوت له فرد على السلام و دعا لي، ثم انتهى إلى حائط فقال: يا حمزة ترى هذا الحائط؟ قلت: نعم! قال: فانى اتكأت عليه يوما و أنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا على بن الحسين! ما لي أراك كئيبا حزينا على الدنيا! فهي رزق حاضر يأخذ منها البر و الفاجر. فقلت: ما عليها أحزن لأنها كما تقول، فقال على الآخرة؟
فهي وعد صادق، بحكم فيها ملك قادر، فقلت: ما على هذا أحزن لأنه كما تقول. فقال: فعلام حزنك؟ فقلت: ما أتخوف من الفتنة- يعنى فتنة ابن الزبير- فقال لي: يا على! هل رأيت أحدا سأل اللَّه فلم يعطه؟ قلت: لا! قال و يخاف اللَّه فلم يكفه؟ قلت: لا! ثم غاب عنى فقيل لي: يا على إن هذا الخضر الّذي جاءك لفظ الخضر
مزاد فيه من بعض الرواة.
و قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الخضرى حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن عمر بن حارث. قال: لما مات على بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره. فقالوا:
ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة. و قال ابن عائشة:
سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات على بن الحسين.
و روى عبد اللَّه بن حنبل عن ابن إشكاب عن محمد بن بشر عن أبى المنهال الطائي أن على بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله.
و قال الطبري: حدثنا يحيى بن زكريا الغلابي حدثنا العتبى حدثني أبى. قال قال على بن الحسين- و كان من أفضل بنى هاشم الأربعة- يا بنى اصبر على النوائب و لا تتعرض للحقوق، و لا تخيب أخاك إلا في الأمر الّذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك
. و روى الطبراني باسناده عنه: أنه كان جالسا في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له: أمن حدث كانت الداعية؟ قال: نعم! فعزوه و تعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع اللَّه عز و جل فيما نحبه، و نحمده على ما نكره.
و روى الطبراني عنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة. فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون قبل الحساب؟ قالوا:
نعم! قالوا: من أنتم؟ قالوا نحن أهل الفضل، قالوا: و ما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حملنا، و إذا ظلمنا صبرنا، و إذا أسيء إلينا غفرنا، قالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادى مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: فما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة اللَّه، و صبرناها عن معصية اللَّه، و صبرناها على البلاء. فقالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادى المنادي: ليقم جيران اللَّه في داره! فيقوم ناس من الناس و هم قليل، فيقال لهم: