البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٥ - على بن الحسين
الحسين شيء مما كان أقرضه، فجميع الحسينيين من نسله (رحمه اللَّه).
و قال أبو بكر بن أبى شيبة:
أصح الأسانيد كلها الزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن جده، و ذكروا أنه احترق البيت الّذي هو فيه و هو قائم يصلى، فلما انصرف قالوا له: مالك لم تنصرف؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى،
و كان إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك فقال: أ لا تدرون بين يدي من أقوم و لمن أناجى؟
و لما حج أراد أن يلبى فارتعد و قال:
أخشى أن أقول لبيك اللَّهمّ لبيك، فيقال لي: لا لبيك،
فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة. و كان يصلى في كل يوم و ليلة ألف ركعة.
و قال طاووس: سمعته و هو ساجد عند الحجر يقول: عبيدك بفنائك. سائلك بفنائك. فقيرك بفنائك،
قال طاووس: فو اللَّه ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عنى.
و ذكروا أنه كان كثير الصدقة بالليل، و كان يقول صدقة الليل تطفئ غضب الرب، و تنور القلب و القبر، و تكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة،
و قاسم اللَّه تعالى ماله مرتين.
و قال محمد بن إسحاق: كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون و من يعطيهم، فلما مات على بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الّذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به. و لما مات وجدوا في ظهره و أكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل و المساكين في الليل. و قيل إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة و لا يدرون بذلك حتى مات.
و دخل على بن الحسين على محمد بن أسامة ابن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له ما يبكيك؟ قال: على دين، قال: و كم هو؟ قال خمسة عشر ألف دينار- و في رواية سبعة عشر ألف دينار- فقال: هي على.
و قال على بن الحسين: كان أبو بكر و عمر من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته.
و نال منه رجل يوما فجعل يتغافل عنه- يريه أنه لم يسمعه- فقال له الرجل: إياك أعنى، فقال له على: و عنك أغضى.
و خرج يوما من المسجد فسبّه رجل فانتدب الناس إليه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه فقال: ما ستره اللَّه عنك من عيوبنا أكثر، أ لك حاجة نعينك عليها؟
فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه، و أمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول: إنك من أولاد الأنبياء. قالوا: و اختصم على بن الحسين و حسن ابن حسن- و كان بينهما منافسة- فنال منه حسن بن حسن و هو ساكت،
فلما كان الليل ذهب على ابن الحسين إلى منزله فقال: يا ابن عم إن كنت صادقا يغفر اللَّه لي، و إن كنت كاذبا يغفر اللَّه لك و السلام عليك،
ثم رجع، فلحقه فصالحه.
و قيل له من أعظم الناس خطرا؟ فقال: من لم ير الدنيا لنفسه قدر
أ،
و قال أيضا: الفكرة مرآة ترى المؤمن حسناته و سيئاته،
و قال: فقد الأحبة غربة،
و كان يقول: إن قوما عبدوا اللَّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و آخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، و آخرون عبدوه محبة و شكرا فتلك عبادة الأحرار الأخيار.
و قال لابنه: يا بنى لا تصحب فاسقا فإنه