البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٢ - عروة بن الزبير بن العوام
حسبه، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختلط بسلطان يتحفه بنعمه و يتخلص منه بالعلم، فلا يقع في هلكة، و قال: و لا أعلم أحدا اشترطه لهذه الثلاثة إلا عروة بن الزبير، و عمر بن عبد العزيز.
كان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن و يقوم به في الليل، و كان أيام الرطب يثلم حائطه للناس فيدخلون و يأكلون، فإذا ذهب الرطب أعاده، و قال الزهري: كان عروة بحرا لا ينزف و لا تكدره الدلاء. و قال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أعلم من عروة و ما أعلمه يعلم شيئا أجهله، و قد ذكره غير واحد في فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهى إلى قولهم، و كان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة [و قد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق، فلما رجع أصابته في رجله الأكلة فأرادوا قطعها، فعرضوا عليه أن يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يحس بالألم و يتمكنوا من قطعها، فقال: ما ظننت أن أحدا يؤمن باللَّه يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه عز و جل، و لكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته و هو صامت لا يتكلم، و لا يعرف أنه أنّ، و روى أنهم قطعوها و هو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة فاللَّه أعلم. و وقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله ولد له يسمى محمدا كان أحب أولاده من سطح فمات، فدخلوا عليه فعزوه فيه، فقال: اللَّهمّ لك الحمد، كانوا سبعة فأخذت واحدا و أبقيت ستة، و كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا و أبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت، و لئن كنت قد ابتليت فقد عافيت [قلت: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجها إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة. و كان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا و هي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فاجمعوا على أنه إن لم يقطعهما و إلا أكلت رجله كلها إلى وركه. و ربما ترقّت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها و قالوا له: ألا نسقيك مرقّدا حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر؟ فقال: لا! و اللَّه ما كنت أظن أن أحدا يشرب شرابا أو يأكل شيئا يذهب عقله، و لكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك و أنا في الصلاة، فانى لا أحس بذلك، و لا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة، من المكان الحي، احتياطا أنه لا يبقى منها شيء، و هو قائم يصلى، فما تصوّر و لا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال: اللَّهمّ لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، و إن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت و على ما عافيت. قال: و كان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، و كان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزوه فيه، فقال: الحمد للَّه كانوا سبعة فأخذت منهم واحدا و أبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما