فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤٣ - نظرية دور الزمان والمكان في الاجتهاد الفقهي الاُستاذ السيد كمال الحيدري
داعياً لها . فوظيفة المجتهد لا تقصر على البحث في المنابع الفقهية سنداً ودلالةً فقط ، بل يجب عليه أن يتحلّى برؤية بحيث يميّز في الحكم الصادر بين أن يكون قد صدر طبقاً لمقتضيات الزمان في عصر النص ، أو أنّه حكم كلّي وعامّ . فقد يكون الأمر كذلك في مسألة تعلّق الدية بالعاقلة أو في الديات الستّ مثلاً ، بمعنى أنّها أحكام تختصّ بزمان الصدور ، من دون أن يكون ثمّة موضوعية لأيّ منها . كما أنّه ليس هناك شكّ في أنّ الاطّلاع على مسائل العصر ووعيها ، ومعرفة الموضوعات المستحدثة ، هي أمور ضرورية للمجتهدين ، وإلاّ إذا لم يطّلع المجتهدون عليها ، ولم تكن لهم معرفة بها ، فكيف يكون بمقدورهم أن يبيّنوا أحكامها ويستنبطوها ؟ ! (٢١) .
وكشاهد ودليل على أنّ مسألة الزمان والمكان كانت من المسائل المأخوذة بعين الاعتبار في إطار عملية الاستنباط والاجتهاد لدى الفقهاء نستعرض كلمات وفتاوى بعض العلماء التي يبرز من خلالها ملاحظتهم لهذه المسألة وإدخالها في نطاق الاجتهاد الفقاهتي .
فقد روى الشيخ الصدوق في كتابه ( من لا يحضره الفقيه ) عن رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال : « الفرق بين المسلمين والمشركين التلحّي بالعمائم » (٢٢) .
والتلحّي هو إدارة العمامة تحت الحنك ، والاقتعاظ شدُّها من غير إدارة ، وسُنّة التلحّي متروكة اليوم في أكثر بلاد الإسلام كقصر الثياب في زمان الأئمّة(عليهم السلام) ، فصارت من لباس الشهرة المنهيّ عنها .
فالتلحّي كان من السنن المأثورة عن رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) أرادها شعاراً للمسلمين في قبال لباس المشركين، وكانت من القضايا المتعارف عليها والمشهورة بين المسلمين مثلها مثل لبس الثياب القصيرة التي ورد استحبابها في زمن النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) والأئمّة المعصومين(عليهم السلام) .
(٢١) مرعشي ، محمد حسن ، مرتكزات الاجتهاد المعاصر ومبانيه ( ندوة حوزوية ـ جامعة ) كتاب الحياة الطيبة ( الاجتهاد وإشكاليات التطوير والمعاصرة ، منشورات معهد الرسول الأكرم(صلى الله عليه و آله و سلم) بيروت ، ط ١ ، ١٤٢٣ ?ـ ـ ٢٠٠٣ م : ٥٤ .
(٢٢) الصدوق ، محمد بن علي بن بابويه ، من لا يحضره الفقيه ، ج ١ : ٢٦٦ .