فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٩ - نظرية دور الزمان والمكان في الاجتهاد الفقهي الاُستاذ السيد كمال الحيدري
مواقع الموضوعات شيء آخر .
فالأحكام دائماً ثابتة في الشريعة سواء أكان التشريع في كتاب الله سبحانه وتعالى أم سنة نبيّه(صلى الله عليه و آله و سلم) ، فإنّ هذا التشريع غير قابل للتغيّر أبداً .
ففي مسألة الحج قال الله تعالى بأنّ الحج واجب : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (٣) ، وهذا التشريع من الله تعالى غير قابل للزوال ، إلا أن يُنسخ منه تعالى ، وهذا بحث آخر .
نعم ، نحن ندرك بأنّ هذا التشريع لم يشرّعه الشارع بنحو مطلق ، وإنّما شرّعه لموضوع ؛ إذ أنّ الحكم يحتاج إلى موضوع ، وهذا الموضوع له شرائط ، فعندما نرجع إلى الأبحاث الفقهية والرسائل العملية المتعلّقة بالحجّ نرى بأنّ الشارع لم يوجب الحجّ مطلقاً ، وإنّما عدّ الحج واجباً على من توافرت فيه بعض الشرائط ، من قبيل : أن يكون الإنسان مستطيعاً للحجّ ، وأن يكون صحيح البدن وغير ذلك ... وما لم تتحقّق هذه الشرائط لا يجب الحج .
وعندما نقول : بأنّ الحجّ لا يجب على فلان من الناس ، فهل هذا معناه نسخ الحكم ؟ بالتأكيد لا ، لم ينسخ الحكم ، لكنّه لا يحرّك المكلّف وبحسب تعبير علماء الاُصول : إنّ الحكم ليس فعليّاً في عهدة المكلّف ، فالحكم موجود ولكن لا فعليّة له الآن ، وهذا ما يعبّر عنه بفعليّة المجعول ، والجعل أي : الحكم الشرعي موجود أو الحكم نفسه مشرّع وموجود وغير منسوخ ، ولكن هذا الحكم لكي يكون فعليّاً في عهدة المكلّف يحتاج إلى تحقيق الشروط ، وما لم تتحقّق تلك الشروط لا يكون الحكم واجباً فعلياً .
فعدم وجوب الحجّ على أحد من الناس ليس بمعنى أنّ الله لم يشرّع الوجوب ، بل إنّ الحجّ تشريعه ووجوبه ثابت ، ولكن لا يجب على هذا المكلّف الإتيان بالحجّ ؛ لأنّ موضوع الحجّ لم يتحقّق بشأنه ، ومن ثمّ لا يكون الحكم المشرّع
(٣) آل عمران : ٩٧ .