نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٥١ - باب في كيفية تلقي الصحابة للعلم و أنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي
شيبة السدوسي البصري، نزيل بغداد فقال فيه: صنف المسند و لم يكمله على منوال لم يصنف مثله، و لا رأى في العلل و الكثرة شكله، فمسند، على ما قيل خمس مجلدات كبار لزمه على تخريجه عشرة آلاف دينار، و كان في بيته أربعون لحافا مرصدة لمبيت الوراقين الذين يبيّضون مسنده ا ه.
واصل ذلك في طبقات الحفاظ للذهبي، و زاد في حق المسند المذكور أنه: ما صنف مسند أحسن منه. و قيل: إن نسخة من مسند أبي هريرة منه شوهدت بمصر فكان مائتي جزء. قال: و الذي ظهر له من المسند مسند العشرة، و ابن مسعود و بعض الموالي، و أرخ وفاته سنة ٢٦٢ ثم قال الذهبي: كان وقع لي في مسنده جزء. ا ه فانظر لهذه الهمم السامية و الماثر الهامية فرحم اللّه السلف و ألهم الخلف.
باب في كيفية تلقي الصحابة للعلم و أنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي
أخرج أبو نعيم في آداب العالم و المتعلم، و الديلمي عن أبي هريرة رفعه: إذا جلستم إلى العالم أو [المعلم] فادنوا، و ليجلس بعضكم خلف بعض و لا تجلسوا متفرقين، كما يجلس أهل الجاهلية. ذكره الحافظ السيوطي في الجمع. و بوّب الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: باب الجلوس عند العالم ثم قال: عن قرة إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): كان إذا جلس جلس إليه أصحابه حلقا حلقا. رواه البزار، و فيه سعيد بن سلام، و كذبه أحمد و عن يزيد الرقاشي قال: كان أنس مما يقول لنا إذا حدثنا هذا الحديث: إنه و اللّه ما هو بالذي تصنع يعني أنت و أصحابك، يقعد أحدكم فتجتمعون حوله، فيخطب. إنما كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقا يقرءون القرآن، و يتعلمون الفرائض و السنن، و يزيد الرقاشي ضعيف ا ه.
و قد بوّب البخاري [١] في الصحيح باب الحلق و الجلوس في المسجد. أي جواز ذلك فيه لتعلم العلم، و قراءة القرآن، و الذكر و نحو ذلك، و إن استلزم ذلك استدبار بعضهم القبلة، و أما التحلق فيه في أمور الدنيا فغير جائز، و هو المراد بحديث ابن مسعود: سيكون في آخر الزمام قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا، أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم، فإنه ليس للّه فيهم حاجة. ذكره الحافظ العراقي في شرح الترمذي و قال: إسناده ضعيف، و عليه أيضا يحمل حديث مسلم [٢] عن جابر: دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المسجد و هم حلق فقال: ما لي أراكم عزين؟ قال ابن حجر: إنما أنكر تحلقهم على ما لا فائدة فيه، و لا منفعة بخلاف تحلقهم حوله فإنما كان لسماع العلم ا ه.
و قد عقد الإمام اليوسي فصلا في قانونه ذكر فيه أصول طرق نشر العلم، فقال: أما التعليم بصورة التدريس فأصله ما كان (صلى الله عليه و سلم) يفعله في مجالسه مع أصحابه، من تبيين الأحكام
[١] انظر كتاب الصلاة باب ٨٤ ج ١/ ١٢١.
[٢] انظر كتاب الصلاة باب ٢٧ ج ١/ ٣٢٢.