نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٤٣ - باب مقدار الأحاديث الواردة عنه
و قد قال الحافظ الأسيوطي أول تدريب الراوي له ص ٨: و مما روي في قدر حفظ الحفاظ قال أحمد بن حنبل: انتقيت المسند من سبعمائة ألف و خمسين ألف حديث. و قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث قيل له و ما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب و قال يحيى بن معين: كتبت بيدي ألف ألف حديث. و قال البخاري:
أحفظ مائة ألف حديث صحيح، و مائتي ألف حديث غير صحيح. و قال مسلم: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن. و قال الحاكم في المدخل: كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث. سمعت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت أبا عبد اللّه بن وارة يقول: كنت عند إسحاق بن إبراهيم بنيسابور، فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف. و هذا الفتى يعني أبا زرعة قد حفظ سبعمائة. قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث و أقاويل الصحابة و التابعين ا ه.
قلت: رحم اللّه الحافظ البيهقي فقد أزال عن القلب غمة، و رفع عن الدين أكبر و صمة بهذه الإفادة التي شرح فيها هذه المقالة، فإن كثيرا من المتفقهين الآن يقولون: مع تكفل اللّه بالدين، أين هذا المقدار من السنة الآن؟ فهل لم يدون؟ فبيّن البيهقي أن مرادهم بهذه الأعداد العظيمة ما يشمل السنة و آثار الصحابة و التابعين، أو أنهم كانوا يريدون طرق الحديث المتنوعة، فيجعلون كل طريق حديثا، و كل حديث له طرق و روايات، فمرادهم بهذا العدد العديد طرق الحديث الواحد العديدة، و رواياته المتنوعة، و قد يكون الحديث واحدا و لكن باعتبار طرقه، و اختلاف الفاظه و تعدد من رواه؛ يعدّ الحديث الواحد بالمائة؛ لأنهم كانوا يقولون: لو لم نكتب الحديث من عشرين وجها ما عرفناه.
و في صدي الخواطر للحافظ ابن الجوزي في فصل ١٧٥: جرى بيني و بين أصحاب الحديث كلام في قول الإمام أحمد: صح عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سبعمائة ألف حديث، فقلت له: إنما يعني به الطرق. فقال: لا المتون. فقلت: هذا بعيد التصور، ثم رأيت لأبي عبد اللّه الحاكم في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل كلاما فعجبت كيف خفي هذا على الحاكم، و هو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد و قد طاف الدنيا مرتين حتى حصله، و هو أربعون ألف حديث منها: عشرة آلالف مكررة قال أحمد: جمعته من أكثر من سبعمائة ألف و خمسين ألف حديث. أ فترى يخفى على متيقظ أنه أراد غير الطرق؟ فإن السبعمائة ألف إن كانت كلام النبي (صلى الله عليه و سلم) فكيف ضاعت و لم أهملت؟ و قد وصلت كلها إلى زمن أحمد، فانتقى منها و رمى الباقي، و أصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع و الكذب، و لا يحسن أن يقال: إن الصحابة الذين رووها ماتوا، و لم يحدثوا بها التابعين.
فإن الأمر قد وصل إلى أحمد و ما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلا.
و معلوم أنه لو جمع الصحيح و المحال الموضوع و كل منقول عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما