فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٥٣٢ - و ها أنا أذكر بعض شأنه و أمره، و ما أعطاه اللّه علوّ مقاماته و رفعة قدره
فلو رأيت الأصغر من أولاده، و قد غلب الحزن على فؤاده، فغشي من الجزع عليه، و قد خضّب بالدموع خدّيه، ثم أفاق و هو يندب أخاه، و يقول بشجو: وا ويلاه، شعر:
لا بصرت من قبح المنيّة منظرا * * * يهال لمرآه و يرتاع ناظر
أكابر أولاد يهيج اكتئابهم * * * إلى ما تناساه البنون الأصاغر
و رنّة نسوان عليه جوازع * * * مدامعهنّ فوق الخدود غرائر
ثم اخرج من سعة قصره إلى ضيق قبره، حثّوا بأيديهم عليه التراب، و أكثروا التلدد و الانتحاب، و وقفوا ساعة عليه، و قد يئسوا من النظر إليه، شعر:
فولّوا عليه معولين و كلّهم * * * لمثل الذي لاقى أخوهم محاذر
كشاء رتاع آمنات بدا لها * * * بمديته بادي الذراعين حاسر
فريعت و لم ترتع قليلا و أجفلت * * * فلمّا انتهى منه الذي هو حاذر
عادت إلى مرعاها، و نسيت ما في اجتهادها، أ فبأفعال البهائم اقتدينا، أم على آثارها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى الثرى، و المدفوع إلى هول ما ترى، شعر:
ثوى مصرعا في لحده و توزّعت * * * مواريثه و حامه و الأصاهر
و أحنوا على أمواله يقسمونها * * * و لا حامد منهم عليها و شاكر
فيا عامر الدنيا و يا ساعيا لها * * * و يا آمنا من أن تدور الدوائر
كيف أمنت هذه الحالة، و أنت صائر إليها لا محالة؟ أم كيف تتهنّأ بحياتك و هي مطيّتك إلى مماتك؟ أم كيف تشبع طعامك و أنت تنتظر حمامك، شعر:
و لم تتزوّد للرحيل و قد دنا * * * و أنت على حال وشيكا مسافر
و يا ويح نفسي! كم أسوّف توبتي * * * و عمري فإن و الردى لي ناظر
و كلّ الذي أسلفت بالصحف مثبت * * * يجازي عليه عادل الحكم قاهر
فكم ترقّع آخرتك بدنياك، و تركب في ذلك هواك؟ إنّي لأراك ضعيف اليقين، يا راقع الدنيا بالدين، أ بهذا أمرك الرحمن أم على هذا دلّك القرآن؟ شعر:
تخرّب ما يبقى و تعمّر فانيا * * * فلا ذاك موفور و لا ذاك عامر
فهل لك إن وافاك حتفك بغتة * * * و لم تكتسب خيرا لدى اللّه عاذر