فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٤١٢ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
فعل، فهنالك يذلّ الأبرار، و يعزّ الأشرار، و تعظم تبعات اللّه تعالى عند العباد.
فعليكم بالتناصح في ذلك، و حسن التعاون عليه، فليس أحد- و إن اشتدّ على رضا اللّه تعالى حرصه، و طال في العمل اجتهاده- ببالغ حقيقة ما اللّه تعالى أهله من الطاعة له، و لكن من واجب حقوق اللّه تعالى على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم، و التعاون على إقامة الحقّ فيهم.
و ليس امرؤ- و إن عظمت في الحقّ منزلته، و تقدّمت في الدين فضيلته- بفوق أن يعان على ما حمّله اللّه تعالى من حقّه، و لا امرؤ- و إن صغّرته النفوس، و اقتحمه العيون- بدون أن يعين على ذلك و يعان عليه».
فأجابه رجل من أصحابه بكلام طويل، يكثر فيه الثناء عليه، و يذكر سمعه و طاعته له، فقال (عليه السلام): «إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه تعالى في نفسه، و جلّ موضعه من قلبه، أن يصغر عنده كلّ ما سواه، و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه تعالى عليه، و لطف إحسانه إليه، فإنّه لم تعظم نعمة اللّه تعالى على أحد و لطف إحسانه إليه إلّا ازداد حقّ اللّه تعالى عليه عظما، و إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظنّ بهم حبّ الفخر، و يوضع أمرهم على الكبر، و قد كرهت أن تكون حالي في ظنّكم أنّي أحبّ الإطراء، و استماع الثناء، و لست- بحمد اللّه تعالى- كذلك، و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة و الكبرياء، و ربّما استحلّ [١] الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا عليّ بحميد [٢] ثناء لإخراجي نفسي إلى اللّه تعالى و إليكم من البقيّة في حقوق، و لم أفرغ من أدائها، و فرائض لا بدّ من إمضائها، فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة، و لا تتحفّظوا منّي بما تتحفّظ به عند أهل البادرة، و لا تخالطوني بالمصانعة، و لا تظنّوا بي استثقالا بحقّ قيل لي، و لا التماس إعظام لنفسي، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له، و العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما عليه أثقل، فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ، أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطأ و لا آمن ذلك من فعلي، إلّا أن يكفى اللّه تعالى من نفسي ما هو أملك به منّي، فإنّما أنا و أنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا، و أخرجنا
[١]. في المصدر: استحلى.
[٢]. في المصدر: بجميل.