فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٤١١ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
١٠٥٤ و من كتاب أمير المؤمنين عليّ صاحب النجدة و البأس إلى بن عمّه عبد اللّه بن عباس، و كان عبد اللّه يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانتفاعي، بهذا الكلام: «أمّا بعد، فإنّ هذا المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، و يسؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، و ليكن أسفك على ما فات منها، و ما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا، و ما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا، و ليكن همّك فيما بعد الموت» [١].
١٠٥٥ و من خطبة له (عليه السلام) بصفّين. «أمّا بعد، فقد جعل اللّه لي عليكم حقّا بولاية أمركم، و لكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم، و الحقّ أوسع الأشياء في التواصف، و أضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلّا جرى عليه، و لو كان لأحد أن يجري له و لا يجرى عليه، لكان ذلك خالصا للّه سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، و لعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه، و لكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه، و توسّعا بما هو من المزيد أهله.
ثم جعل سبحانه من حقّه على العباد حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلّا ببعض.
و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعيّة، و حقّ الرعيّة على الوالي، فريضة فرضها اللّه سبحانه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لألفتهم، و عزّا لدينهم، فليست تصلح الرعيّة إلّا بصلاح الولاة، و لا يصلح الولاة إلّا باستقامة الرعيّة، فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه، و أدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقّ بينهم، و قامت مناهج الدين، و اعتدلت معالم العدل، و جرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، و طمع في بقاء الدولة، و يئست مطامع الأعداء. و إذا غلبت الرعيّة واليها، و أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هناك الكلمة، و ظهرت معالم الجور، و كثر الإدغال في الدين، و تركت محاجّ السنن، فعمل بالهوى، و عطّلت الأحكام، و كثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل، و لا لعظيم باطل
[١]. المصدر السابق ٤: ٤٠١ كتاب رقم ٢٢.