فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٤٠٠ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
و لا بدّ أنّه مدركك يوما، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتوبة، فتحول بينك و بين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك.
و أعلم أنّ من كانت مطيّته الليل و النهار فإنّه يسار به و إن كان لا يسير، أبى اللّه تعالى إلّا خراب الدنيا و عمارة الآخرة، يا بني أكثر ذكر الموت، و ذكر ما يهجم عليك، و تفضي بعد الموت إليه، و اجعله أمامك حتّى يأتيك، و قد أخذت منه حذرك لا يأخذك على غرّتك، و اذكر الآخرة و ما فيها من النعيم المقيم و العذاب الأليم، فإنّ ذلك يزهّدك في الدنيا و يصغّرها عنك، و قد نبّأك اللّه تعالى عنها، و نعت إليك نفسها، و كشفت لك عن مساويها، و إيّاك و إن تغترّ بما ترى من إخلاد أهلها إليها، و تكالبهم إليها تكلاب كلاب عاوية، و سباع ضارية، يهرّ بعضها على بعض، و يأكل عزيزها ذليلها، و كبيرها صغيرها، و كثيرها قليلها، فإن تزهد فيما زهّدتك فيه منها، و ترغب بنفسك عنها، فأهل ذلك هي، و إن تكن غير قابل نصيحتي فاعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك و لن تعدو أجلك، و إنّك في سبيل من كان قبلك، فاخفض في الطلب، و أجمل في المكتسب، فربّ طلب دعا الى خرب، و ليس كلّ طالب بناج، و لا كلّ مجمل بمحتاج، و أكرم نفسك عن كلّ دنيّة و إن ساقتك إلى الرغب، فإنّك لن تعتاض بما تبدّل من نفسك عوضا، و إيّاك أن يوجف بك الطمع فيهديك إلى طبع، و لا تأمن خدع الشيطان، و احفظ ما في الوعاء بشد الوكاء مع حسن التدبير، و حفظ ما في يديك أحبّ إليّ من طلب ما في يد غيرك، و العفاف مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الإسراف، و حسن اليأس خير من الطلب إلى الناس، المرء أحفظ لسرّه، ربّ ساع فيما يضرّه، إيّاك و الاتّكال على الأماني فإنّها بضائع النوكى، و تثبط عن خير الآخرة و الدنيا.
أي بني، من أكثر هجر، و من تفكّر أبصر، و من اعتبر اغتبط، و من خير حظّ المرء قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن معهم، و باين أهل الشر تبن عنهم، و لا تكن عبدا لغيرك و أنت حرّ، و ما خير خير لا ينال إلّا بشرّ، و لا يغلبنّ عليك سوء الظنّ. فإنّه لن يدع بينك و بين خليل لك صلحا، و قد يقال من الحزم سوء الظنّ.
أي بني، بئس الطعام الحرام، و ظلم الضعيف أفحش الظلم، و الفاحشة كاسمها، و كثرة العلل آية البخل، و لبعض إمساكك عن أخيك مع لطف خير من بذل مع عنف.