فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٤١٤ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
من لا تضيق لديه المنادح، و لا يخيب عليه الراغبون، فحاسب نفسك لنفسك، فإنّ غيرها من الأنفس لها محاسب غيرك» [١].
١٠٥٧ و من كلام له عليه من اللّه تعالى أوفى التحية و التسليم عند تلاوة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [٢]: «أدحض مسئول حجة، و أقطع مغترّ معذرة، لقد أبرح جهالة بنفسه. يا أيّها الإنسان، ما جرّأك على ذنبك، و ما غرّك بربّك، و ما أنسك بهلكة نفسك؟! أما من دائك بلوم [٣]، أم ليس من نومتك يقظة؟ أ ما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك؟ فلربّما ترى الضاحي لحرّ الشمس فتظلّه، أو ترى المبتلى بألم يمضّ جسده فتبكي رحمة له، فما صبرك على دائك، و جلدك على مصابك، و عزاك عن البكاء على نفسك و هي أعزّ الأنفس عليك؟! و كيف لا يوقظك خوف بيات نقمة، و قد تورّطت بمعاصيه مدارج سطواته، فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة، و من كرى الغفلة في ناظرك بيقظة، و كن للّه تعالى مطيعا، و بذكره آنسا، و تمثّل في حال تولّيك إقباله، يدعوك إلى عفوه، و يتغمّدك بفضله، و أنت متولّ عنه إلى غيره، فتعالى من قوي ما أكرمه! و تواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته! و أنت في كنف ستره مقيم، و في سعة فضله متقلّب، فلم يمنعك فضله، و لم يهتك منك ستره، بل لم تخل من لطفه مطرف عين في نعمة يحدثها إليك، أو سيّئة يسترها عليك، أو بليّة يصرفها عنك، فما ظنّك به لو أطعته؟ و أيم اللّه لو أنّ هذه الصفة كانت في متّفقين في القوّة، متوازنين في القدرة، لكنت أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق، و مساوئ الأعمال.
و حقّا أقول: ما الدنيا غرّتك، و لكن بها اغتررت، و لقد كاشفتك العظات، و آذنتك على سواء، و لهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك، و النقص في قوّتك أصدق و أوفى من أن تكذبك أو تغرّك، و لربّ ناصح لها عندك متّهم، و صادق من خيرها مكذّب، و لئن تعرفها في الديار الخاوية، و الربوع الخالية، لتجدنّها من حسن تذكيرك، و بلاغ موعظتك،
[١]. شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ٤: ٦٦ خطبة رقم ٢١٣.
[٢]. الانفطار: ٦.
[٣]. في المصدر: بلول، و هو البراء من السقم.