فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٤١٣ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، و أعطانا البصيرة بعد العمى» [١].
١٠٥٦ و من غرر كلامه و درر نظامه عليه من اللّه تعالى زواكي تحياته عند ما تلا قول اللّه تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [٢]: «إنّ اللّه سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، و تبصر به بعد العشوة، و تنقاد به بعد المعاندة، و ما برح للّه تعالى- عزّت آلاؤه- في البرهة بعد البرهة، و في أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، و كلّمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظته في الأسماع و الأبصار و الأفئدة، يذكّرون بأيّام اللّه، و يخوّفون مقامه بمنزلة الأدلّة في الفلوات، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه، و بشّروه بالنجاة، و من أخذ يمينا و شمالا ذمّوا إليه الطريق، و حذّروه من الهلكة، و كانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات، و أدلّة تلك الشبهات.
و إنّ للذكر أهلا أخذوه من الدنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة و لا بيع عنه، يقطعون به أيّام الحياة و يهتفون بالزواجر عن محارم اللّه تعالى في أسماع الغافلين، و يأمرون بالقسط و يأتمرون به، و ينهون عن المنكر و يتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة و هم منها، فشاهدوا ما وراء ذلك، و كأنّما أطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، و حقّقت القيامة عليهم عداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، و يسمعون ما لا يسمعون، فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة، و مجالسهم المشهودة، و قد نشروا دواوين أعمالهم، و فرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة و كبيرة أمروا بها فقصّروا عنها، أو نهوا عنها ففرّطوا فيها، و حملوا ثقل أوزارهم ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجا، و تجاوبوا نحيبا، يعجّون إلى ربّهم من مقام ندم و اعتراف، لرأيت أعلام هدى، و مصابيح دجى، قد حفّت بهم الملائكة، و تنزّلت عليهم السكينة، و فتحت لهم أبواب السماء، و أعدّت لهم مقاعد الكرامات، في مقعد اطّلع اللّه تعالى عليهم فيه، فرضي سعيهم، و حمد مقامهم، يتنسّمون بدعائه روح التجاوز، رهائن فاقة إلى فضله، و أسارى ذلّة لعظمته، جرح طول الأسى قلوبهم، و طول البكاء عيونهم، لكلّ باب رغبة إلى اللّه تعالى منهم يد قارعة، يسألون
[١]. شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ٤: ٣٨ رقم ٢٠٧ خطبة رقم ٢١٦.
[٢]. النور: ٣٧.