فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٤٠٣ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
أي بني، اعرف الحقّ لمن عرفه لك شريفا كان أو وضيعا، و اطرح عنك و ارادات الهموم بعزائم الصبر، لا تصرم أخاك على ارتياب، و لا تقطعه من دون استعتاب، و ليس جزاء من سرّك أن تسوءه، الرزق رزقان: رزق تأتيه و رزق يأتيك، فإن لم تأته أتاك، و استعن باللّه تعالى على أمورك، فإنّه أكفأ معين، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته [١].
١٠٤٣ و روى الليث بن سعد، عن نافع، عن شريح القاضي، قال: اشتريت دارا بثمانين دينارا، و كتبت كتابا و أشهدت عدولا، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليّا (عليه السلام) فلمّا أتيته، قال: «يا شريح، بلغني إنّك اشتريت دارا بثمانين دينارا، و كتبت كتابا، و أشهدت عدولا؟».
قلت: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، قال: «إنّه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، و لا يسألك عن بيّنتك حتّى يخرجك منها شاخصا، و يسلّمك إلى قبرك خالصا، فانظر أن لا تكون اشتريت دارا من غير مالك، و وزنت مالا من غير حلالك، فإذا أنت قد خسرت الدارين: دار الدنيا و دار الآخرة، فلو أنّك عند ما اشتريت هذه الدار أتيتني، فكتبت لك كتابا على هذه النسخة إذا ما اشتريتها بدرهمين».
قلت: و ما كنت تكتب يا أمير المؤمنين؟ قال (عليه السلام): «كنت أكتب: هذا ما اشترى عبد ذليل من ميّت قد أزعج بالرحيل، اشترى منه دارا بدار الغرور من الجانب الفاني إلى عسكر الهالكين، تجمع هذه الدار حدودا أربعة: الحدّ الأوّل منها ينتهي إلى دواعي المصيبات، و الحدّ الثاني ينتهي إلى دواعي العاهات، و الحدّ الثالث ينتهي إلى دواعي الآفات، و الحدّ الرابع ينتهي إلى الهوى المردي و إلى الشيطان المغوي، و فيه يشرع باب هذه الدار.
اشترى هذا المفتون المغرور بالأمل من هذا المزعج بالأجل جميع ما في هذا الدار، بالخروج من عزّ القنوع، و الدخول في ذلّ الطلب، فما أدرك هذا المشتري من درك فيما اشتراه، فعلى مبلي أجسام الملوك، و سالب نفوس الجبابرة، و مزيل ملك الفراعنة، مثل كسرى و قيصر و تبّع و حمير، و من جمع المال على المال فأكثر، و من بنى فشيّد، و زخرف فنجّد، و جمع و اعتقد، و نظر بزعمه للولد، اشخاصهم جميعا إلى موقف العرض و الحساب، و موضع الثواب و العقاب، إذا وقع الأمر بفصل القضاء.- و في رواية: إذا وضع الكرسيّ لفصل القضاء- و خسر هنالك
[١]. شرح نهج البلاغة لكمال الدين محمد بن ميثم البحراني ٥: ٢- ٥٩ كتاب رقم ٣١.