فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٣٩٩ - الباب الحادي و الأربعون في نتف من لطائف ثنائه على ربّه و أدعيته و شرائف خطبه و موعظته الفصاح، و طرف من طرائف أقضيته و غرائب كتبه و أجوبته الملاح
و الأعضاء المتفرقة، كيف وجدتم الدار التي حللتم بها؟
أي بنيّ، فكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم، فاصلح أخراك، و أتبع آخرتك بدنياك، ودع من القول ما لا تعرف، و من الكلام ما لا يكلّف، و أمسك عن طريق خفت ضلاله، فإنّ الكفّ عن حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، و خض الغمرات إلى ما فيه الحقّ، و تفقّه في الدين، و لا تأخذك في اللّه لومة لائم، و عوّد نفسك الصبر على المكروه، فلنعم الخلق الصبر، و الجأ في الأمور كلّها إلى إلهك، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز و مانع عزيز، و أخلص المسألة إلى ربّك، فإنّ في يده العطاء و الحرمان، و أكثر الاستخارة.
و أعلم أنّ الإعجاب ضدّ الصواب و آفة الألباب، فإذا اهتديت لقصدك فكن أخضع ما تكون لربّك، فأعلم إنّ الذي بيده خزائن السماوات و الأرض أذن بدعائك، و تكفّل بإجابتك، و أمرك أن تسأله ليعطيك، و هو رحيم لم يجعل بينك و بينه من يحجبك، و لم يمنعك من التوبة إذا أسأت، فمتى ما شئت سمع دعاءك و نجواك، فأفض إليه نجواك، فهو معدن الحوائج، و بثّه ذات نفسك، و ليكن مسألتك فيما يعينك، لا فيما يلزمك خباله و يبقى عليك وباله، فإنّك توشك أن ترى عاقبة أمرك حسنة كانت أو قبيحة.
و في رواية: فمتى ما شئت سمع نداءك و نجواك، فأفضيت إليه بحاجتك و ابثثته ذات نفسك، و شكوت إليه همومك، و استعنته على أمورك، و ناجيته بما تستخفي به من الخلق كلّهم من سرّك، ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبوابه، فألحح في المسألة يفتح لك باب الرحمة، و لا يقنّطك إن أبطأت عليك الإجابة، فإنّ العطيّة على قدر المسألة، ربّما أخّرت عنك الإجابة لتكون أطول للمسألة، و أجزل للعطيّة، و ربّما سألت الشيء فلم تؤته، و أوتيت خيرا منه عاجلا و آجلا، و صرف عنك لما هو خير لك، فلربّ أمر قد طلبته و فيه هلاك دينك أو دينك لو أوتيته.
أي بنيّ فبما يعينك ممّا ترجو أن يبقى لك، و لا تبقى له، فإنّه توشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيّئا، أو يعفو الكريم.
و أعلم يا بنيّ، إنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدنيا، و للفناء لا للبقاء، و للموت لا للحياة، و إنّك في منزل قلعة، و دار بلغة، و طريق إلى الآخرة، و إنّك طريدة الموت الذي لا ينجو هاربه،