شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٠ - «الشرح»
..........
سبيل الهداية، و إرشاد إلى كيفيّة الاستدلال على التوحيد.
(و قال: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهٰا لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ)
(١) هذا مثل السابق فيما ذكرناه و فيه دلالة على شرف العقل و عظم قدر الإيمان و وجوب معرفة المنعم و أداء حقوقه و أنّ اكثر الناس معزولون عن هذه الامور لا يعقلون أنّ المنعم الحقيقي هو اللّه تعالى شأنه و لا يعرفون أنّ الحمد على النّعمة لا يستحقّه إلّا هو.
(يا هشام ثمّ مدح القلّة)
(٢) يعنى أن الممدوح من الناس و هو المؤمن الحقيقي العالم العامل المهذّب للظاهر و الباطن قليل نادر جدّا و قد دلّت على قلّته الآيات المتكثّرة و الرّوايات المعتبرة المتواترة كما يظهر ذلك لمن تأمل في أحاديث الكفر و الايمان و دلّت عليه التجربة أيضا
(فقال وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ الشَّكُورُ)
(٣) قيل:
الشكر في اللّغة فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه، و في العرف صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه فيما أنعمه لأجله. أقول: الظاهر أنّ النسبة بينهما عموم من وجه لتحقّق الأوّل في صرف اللّسان وحده مثلا في مقابلة النعمة دون الثاني إذ قد اعتبر فيه صرف جميع الجوارح، و تحقّق الثاني في صرف الجميع لا في مقابلة النعمة بل لأجل كمالاته الذّاتيّة و تحقّقهما جميعا في صرف الجميع بإزاء النعمة و لكنّ القوم صرّحوا بأنّ الأوّل أعمّ مطلقا من الثاني لأنّه كلّما يتحقّق صرف الجميع بإزاء النعمة يتحقّق صرف واحد بإزائها أيضا من غير عكس، و أورد عليه بأنّ هذه النسبة إنّما يتمّ لو اعتبر في الثاني كونه في مقابل النعمة و لا إشعار به في التعريف: و اجيب عنه تارة بأنّ هذا القيد يستنبط من تعليق الحكم بوصف الانعام الصّالح للعلّيّة، و ردّ ذلك بأنّه يلزم منه أن لا يكون الخلّص شاكرين و لا واسطة بين الشكر و الكفران، و تارة بأنّ المراد بكونه في مقابل النعمة أن يكون بإزائها و إن لم تكن ملحوظة للشاكر و محصّله أنّ إنعامه هنا عرفيّة لا حقيقيّة، و يمكن دفعه أيضا بأنّ مفهوم التعريف مطلق و الايراد المذكور وارد بالنظر إلى ظاهره، إذا عرفت هذا فنقول: الشكر بكلا المعنيين منزلة عظيمة و مرتبة جليلة